في تطور اقتصادي إيجابي، أظهرت البيانات الرسمية الصادرة يوم الجمعة أن الاقتصاد البريطاني شهد نمواً شهرياً بنسبة 0.5% في فبراير 2025. وقد تفوق هذا الرقم بشكل كبير على توقعات المحللين التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 0.1%. ويعكس هذا النمو التفاؤل في السوق ويُظهر بعض الانتعاش في القطاعات الاقتصادية الرئيسية.
وأكد مكتب الإحصاءات الوطنية، الذي نشر الأرقام الأولية، أن هذا التوسع يعود بشكل رئيسي إلى قطاع الخدمات الذي سجل نمواً بنسبة 0.3%. في يناير، سجل نفس القطاع نمواً ضعيفاً بنسبة 0.1%. كما أظهرت البيانات أن قطاع الإنتاج شهد انتعاشاً ملحوظاً، حيث سجل نمواً بنسبة 1.5% في فبراير، بعد تراجع شهري بنسبة 0.5% في يناير.
تعافي قطاع البناء
من جانب آخر، سجل قطاع البناء نمواً شهرياً بنسبة 0.4% في فبراير، بعد تراجعه بنسبة 0.3% في يناير. يظهر ذلك تحسناً في النشاط الاقتصادي داخل هذا القطاع، الذي يعد أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد البريطاني. ورغم التحسن في الأداء الاقتصادي في فبراير، يبقى الاقتصاد البريطاني في حالة من الترقب بسبب التحديات العالمية والمحلية التي قد تؤثر على استدامة هذا النمو.
الاستجابة في سوق الجنيه الاسترليني
في رد فعل على هذه البيانات، ارتفع الجنيه الاسترليني مقابل الدولار الأمريكي بنسبة 0.6%، ليصل إلى 1.3047 دولار. هذا الارتفاع جاء في وقت حساس بالنسبة للأسواق المالية.
حيث كانت قد توقعت بعض المصادر أن يظل الاقتصاد البريطاني في حالة من الركود أو حتى الانكماش.
في الشهر السابق، سجل الاقتصاد البريطاني انكماشاً طفيفاً بنسبة 0.1% في يناير.
وهو ما تمت مراجعته لاحقاً ليُظهر أن النمو الاقتصادي قد استقر في ذلك الشهر. لا شك أن البيانات الصادرة هذا الأسبوع قد أكدت التفاؤل بشأن قدرة الاقتصاد البريطاني على التعافي بعد فترة من التباطؤ.
تحديات وتهديدات من التعريفات الجمركية الأمريكية
تستمر التحديات العالمية في التأثير على الاقتصاد البريطاني، خاصةً في ضوء التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. يواجه الاقتصاد البريطاني تهديداً محتملاً نتيجة للرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. تشير التقارير إلى أن المملكة المتحدة قد تواجه زيادة بنسبة 10% في الرسوم الجمركية على صادراتها إلى الولايات المتحدة، وهي خطوة قد تؤثر سلباً على القطاعات التجارية.
تعتبر الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري لبريطانيا، حيث تمثل حوالي 17% من إجمالي تجارتها الدولية. وفي حالة إعادة فرض الرسوم الجمركية المتبادلة، سيتأثر الاقتصاد البريطاني بشكل كبير.
خاصةً مع تزايد التوترات في العلاقات التجارية بين البلدين. ومع ذلك، تأمل المملكة المتحدة أن يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بتجنب فرض هذه الرسوم الجمركية الجديدة، وهو ما قد يكون له تأثير إيجابي على التوقعات الاقتصادية.
توقعات لبنك إنجلترا وقرارات الفائدة
على الرغم من البيانات الاقتصادية الإيجابية التي صدرت مؤخراً، يبقى الوضع الاقتصادي في المملكة المتحدة معقداً. يواجه بنك إنجلترا تحديات كبيرة في اتخاذ قرارات بشأن أسعار الفائدة. وفقاً للخبراء، من المرجح أن يخفض البنك المركزي البريطاني أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه المقبل في مايو/أيار 2025، مما سيؤدي إلى خفض سعر الفائدة الأساسي إلى 4.25%.
سورين ثيرو، مدير الاقتصاد في معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز، أكد أن حالة عدم اليقين الناجمة عن التعريفات الجمركية الأمريكية قد يكون لها تأثير أكبر من البيانات الاقتصادية الإيجابية في اتخاذ قرارات بنك إنجلترا. يشير إلى أن هذه التوترات قد تعزز المخاوف بشأن مرونة الاقتصاد البريطاني.
مما يجعل من خفض أسعار الفائدة في مايو أمراً محتملاً.
انخفاض التوقعات للنمو الاقتصادي
في السياق نفسه، خفض مكتب مسؤولية الميزانية في المملكة المتحدة توقعاته للنمو الاقتصادي للعام المقبل. في تقريره الصادر مؤخراً، تم تعديل توقعات النمو لعام 2025 من 2% إلى 1%. هذا التعديل يعكس التحديات التي يواجهها الاقتصاد البريطاني في ظل المخاطر العالمية.
وتزايد الضغوط على الحكومة البريطانية للتعامل مع قضايا التجارة والإنفاق الاجتماعي.
التجارة مع الولايات المتحدة
تستمر التجارة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة في التأثر بشكل ملحوظ. وفقاً للبيانات الصادرة مؤخراً، بلغ إجمالي التجارة بين البلدين 294.1 مليار جنيه إسترليني في الأرباع الأربعة المنتهية في الربع الثالث من عام 2024، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 2.3% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. من هذا المجموع، تمثل صادرات المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة حوالي 182.6 مليار جنيه إسترليني، بينما تبلغ وارداتها من الولايات المتحدة 111.5 مليار جنيه إسترليني.
الاستثمار الأجنبي المباشر
من جهة أخرى، تشير البيانات إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة قد شهد تراجعاً في العام 2023. في ذلك العام، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر من المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة 494.1 مليار جنيه إسترليني.
ما يمثل 26.7% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر البريطاني. في المقابل، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد من الولايات المتحدة إلى المملكة المتحدة 708.1 مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل 34.1% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر الوافد.
بالنظر إلى الوضع الحالي، يواجه الاقتصاد البريطاني العديد من التحديات. تتزايد الضغوط الاقتصادية بسبب العوامل الخارجية مثل الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، والتقلبات في أسعار الفائدة العالمية. لكن في الوقت نفسه، توفر البيانات الاقتصادية الصادرة مؤخراً بعض الأمل في أن الاقتصاد البريطاني قد يكون على طريق التعافي. إلا أن ذلك يتوقف على كيفية تعامل الحكومة البريطانية مع هذه التحديات في الأسابيع والأشهر القادمة.
بشكل عام، بالرغم من الأرقام الإيجابية في فبراير، يظل الاقتصاد البريطاني يواجه العديد من العقبات. تتراوح المخاطر بين التأثيرات المحتملة للرسوم الجمركية الأمريكية، والتحديات الاقتصادية العالمية. في ظل هذه الظروف، تظل التوقعات المستقبلية ضبابية.
وقد يكون من الضروري مراقبة التطورات في السوق المالية العالمية وعلاقتها بأسعار الفائدة، وذلك لتحديد اتجاهات النمو الاقتصادي في الأشهر القادمة.