موجة من التقلبات تزعزع استقرار الأسواق العالمية
في 17 أبريل، استقرت مؤشرات الأسهم والسندات الحكومية بعد موجة هبوط حادة. جاء هذا الاضطراب نتيجة مباشرة للحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ومع أن الأسواق العالمية حاولت التماسك، إلا أن هذه السياسات قد تترك آثارًا دائمة على النظام المالي العالمي.
منذ بداية فرض الرسوم الجمركية، واجهت الشركات الكبرى صعوبة في التنبؤ بتكاليف الإنتاج والأرباح المستقبلية. تذبذب القرارات السياسية جعل التقديرات الدقيقة أكثر تعقيدًا. الشركات باتت غير قادرة على تقديم توجيهات مالية دقيقة، مما خلق فجوة كبيرة في تقييمات المستثمرين.
أثّرت هذه الفوضى على سلوك شركات مثل وول مارت ويونايتد إيرلاينز ودلتا، حيث باتت التوقعات المستقبلية أقرب إلى التخمين منها إلى الحساب العلمي الدقيق. مع ذلك، استجابت الأسواق بشكل إيجابي نسبيًا، إذ ارتفعت أسهم وول مارت 10%، وحققت شركات الطيران مكاسب في بداية جلسات التداول بعد نشر نتائجها الفصلية.
أرباح متأرجحة وسيناريوهات مزدوجة
لم تتراجع جميع الشركات عن إصدار توقعاتها، لكن الكثير منها فضّل الحذر. فبحسب بيانات “فاكت ست”، علّق نحو 70% من الشركات المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 على أرباحها السنوية خلال الربع الأول، بينما خفضت 3 شركات فقط تقديراتها.
من اللافت أن شركات مثل يونايتد إيرلاينز لجأت إلى تقديم سيناريوهين مختلفين للأرباح. ففي بيئة اقتصادية مستقرة، تتوقع يونايتد أن يتراوح ربح السهم بين 11.50 و13.50 دولارًا لعام 2025. أما في حال حدوث ركود اقتصادي، فتتوقع أن ينخفض الربح إلى نطاق 7–9 دولارات.
في المقابل، قررت شركة دلتا إيرلاينز التراجع وسحب توجيهاتها المالية. أما وول مارت، فاختارت الحفاظ على أهدافها السنوية رغم ضغوط المدى القصير، مؤكدة ثقتها في قدرتها على التكيّف مع التحولات التجارية.
رسوم غير متوقعة تُربك التخطيط المالي
رغم وعود ترامب بدعم الصناعات المحلية، شكّلت الرسوم الجمركية المفروضة عبئًا إضافيًا على قطاع التصنيع. ففي وقت تعتمد فيه شركات مثل وول مارت على واردات من الصين، باتت تكاليف المنتجات أكثر تقلبًا.
شركة ليفي شتراوس، المزودة الشهيرة للجينز، حذرت في بداية أبريل من أن توقعاتها لا تأخذ في الاعتبار الرسوم الأخيرة. وبعد يومين فقط، قرر ترامب خفض بعض تلك الرسوم. مثل هذا التحرك العشوائي دفع المحللين إلى التفكير في تطوير مقاييس جديدة مثل “الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك والتعريفات الجمركية” – اختصارًا (EBITDAT) – كمحاولة لفهم التأثيرات المتغيرة على الأرباح.
الدولار يحتفظ بعرشه رغم التحديات
في ظل هذه الفوضى، عاد النقاش حول مصير الدولار الأمريكي كعملة احتياطية عالمية. إذ ترافقت الحرب التجارية مع محاولات صينية لتقويض مكانة العملة الأمريكية، وهو أمر يلقى دعمًا من بعض أعضاء إدارة ترامب الجديدة.
ورغم هذه المحاولات، صمد الدولار أمام جميع التحديات التاريخية. فقد تجاوز آثار انهيار نظام بريتون وودز، ونجا من صعود الين الياباني واليورو، وتجاوز أزمة 2008، وحتى استخدامه كسلاح مالي ضد روسيا في عام 2022.
لماذا يبقى الدولار في القمة؟
حتى اليوم، يُمثل الدولار نحو 60% من احتياطيات النقد الأجنبي عالميًا. كما تُقوَّم 85% من معاملات الصرف الأجنبي بالدولار، رغم أن التجارة الأمريكية لا تتجاوز 10% من إجمالي التجارة العالمية.
تكمن قوة الدولار في شبكة من العوامل المعززة: سيطرة عسكرية أمريكية، نظام قانوني مستقر، وثقة عميقة في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. إضافة إلى ذلك، يوفر الدولار سيولة فائقة تُسهل المعاملات المالية حول العالم.
حتى نظام المدفوعات العالمي (CHIPS)، الذي يتخذ من نيويورك مقرًا له، يعالج يوميًا تحويلات بالدولار تصل إلى 2 تريليون دولار. وعلى الرغم من توسّع الصين وتزايد استخدام اليوان، إلا أن الدولار ما زال يهيمن على المعاملات المالية العابرة للحدود.
تكاليف خفية على الاقتصاد الأمريكي
لكن الهيمنة لا تأتي دون ثمن. فمن أجل تلبية الطلب العالمي على الدولار، تضطر الولايات المتحدة إلى الاستدانة بشكل مستمر. اليوم، تتجاوز التزامات أمريكا تجاه الخارج 26 تريليون دولار، ما يجعلها أكبر دولة مدينة في العالم.
هذه الديون ليست مشكلة فحسب، بل هي ضرورة تُبقي الدولار على عرشه. وكما تنبأ الاقتصادي روبرت تريفين في الستينيات، فإن توفير عملة احتياطية عالمية يتطلب تضخيم العجز الأمريكي.
مخاوف جديدة من الداخل الأمريكي
أعضاء إدارة ترامب أعادوا فتح النقاش حول الآثار السلبية لهذه الهيمنة. يرى نائب الرئيس جيه دي فانس أن العجز التجاري المزمن للولايات المتحدة سببه تدفق رؤوس الأموال العالمية للحفاظ على قوة الدولار. ووفقًا له، أدى هذا العجز إلى تراجع القطاع الصناعي الأمريكي.
أما ستيفن ميران، رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين، فيؤكد أن الطلب الزائد على الدولار يُبقي العملة مُبالغًا في قيمتها، مما يُضعف القدرة التنافسية الأمريكية. واقترح مؤخرًا فرض ضرائب على فوائد السندات التي يملكها الأجانب، لتقليل الجاذبية الدولية للدولار.
نهاية الدولار؟ ليس بعد
رغم تصاعد هذه الانتقادات، فإن انهيار الدولار كعملة عالمية لا يبدو وشيكًا. لا تزال البدائل تفتقر إلى البنية التحتية والموثوقية اللازمة. اليوان، رغم دعم بكين له، لا يزال محدود الانتشار عالميًا.
حتى الآن، تظل قوة الدولار مستندة إلى تأثير شبكي يشبه الشركات التكنولوجية الكبرى مثل مايكروسوفت. قد تُرتكب أخطاء، لكن البنية الأساسية المتينة تجعل التخلّي عن الدولار خيارًا مكلفًا للغاية بالنسبة لأي دولة أو مؤسسة مالية.
في النهاية، أثّرت حرب ترامب التجارية على الأسواق بشكل مباشر، لكن تداعياتها الأعمق تتعلق بمكانة الدولار العالمية. ورغم محاولات التشكيك في “الملك دولار”، لم يظهر منافس حقيقي قادر على الإطاحة به حتى الآن. وبالنظر إلى التشابك المعقد للاقتصاد العالمي، قد يستمر الدولار في الهيمنة، مهما كانت التحولات السياسية أو التجارية المقبلة.