أسعار الذهب تتراجع وسط ضغوط جني الأرباح والتصريحات الفيدرالية المتشددة

تراجعت أسعار الذهب يوم الخميس من مستوياتها القياسية، بعد أن سجلت مستويات مرتفعة في التعاملات الآسيوية. جاء هذا التراجع مدفوعًا بعمليات جني الأرباح من قبل المستثمرين، إضافة إلى التصريحات المتشددة لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، جيروم باول، التي أثرت على السوق بشكل واضح.

حتى الساعة 07:40 بتوقيت جرينتش، انخفض الذهب الفوري بنسبة 0.7% ليصل إلى 3320.56 دولارًا للأوقية. في الوقت نفسه، تراجعت العقود الآجلة للذهب التي تنتهي في يونيو بنسبة 0.4%، مسجلةً 3334.61 دولارًا للأوقية. ورغم هذا التراجع، لا يزال الذهب قريبًا من أعلى مستوى له على الإطلاق عند 3356.32 دولارًا، الذي تم تحقيقه في وقت سابق من اليوم.

تصريحات باول: عامل ضغط رئيسي

شهدت الفترة الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الذهب، بدعم من زيادة الطلب العالمي، وتصاعد المخاوف الجيوسياسية، واستمرار القلق بشأن التضخم. إلا أن تصريحات باول الأخيرة شكلت ضغطًا واضحًا على الأسواق، حيث أكد عدم وجود خطط وشيكة لخفض أسعار الفائدة.

تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاستثمار في الذهب، الذي لا يولد عائدًا. كما يعزز ارتفاع الفائدة قيمة الدولار الأمريكي، مما يجعل الذهب أقل جاذبية للمستثمرين الأجانب. جاءت هذه التصريحات بالتزامن مع مفاوضات تجارية بين الولايات المتحدة واليابان، والتي أظهرت تقدمًا مبدئيًا لكنها أضافت المزيد من الغموض إلى المشهد الاقتصادي.

هل يواصل الذهب الارتفاع؟

رغم التراجع الأخير، يتوقع المحللون استمرار دعم العوامل الأساسية للذهب. يتزامن هذا مع تزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، وزيادة التوترات الجيوسياسية.

من جهة أخرى، شهد الذهب أداءً قويًا في بداية عام 2025، حيث ارتفعت أسعاره بنسبة 19% خلال الربع الأول، مسجلةً أفضل أداء ربعي منذ 39 عامًا. ويُعزى هذا الأداء إلى فرض رسوم جمركية أمريكية على الواردات، ما دفع المستثمرين للجوء إلى الذهب كملاذ آمن.

شركات تعدين الذهب: فرص واعدة

في قطاع التعدين، شهدت شركات الذهب أداءً قويًا خلال الربع الأخير. حققت شركة “Genesis Minerals” أرباحًا كبيرة، بينما سجلت شركات مثل “Evolution Mining” و”Ramelius Resources” زيادات ملحوظة في التدفق النقدي.

هذه النتائج انعكست على ارتفاع مؤشر أسهم الذهب في بورصة ASX بنسبة 50% منذ بداية العام. ويرى المحللون أن أسهم الذهب لا تزال مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية، مما يوفر فرصًا استثمارية جذابة.

تستمر أسعار الذهب في التذبذب بين الدعم القوي والتحديات القصيرة الأجل. على المدى الطويل، من المرجح أن تستمر العوامل الأساسية، مثل الطلب من البنوك المركزية والمخاوف الجيوسياسية، في تعزيز أسعار المعدن النفيس. ومع ذلك، فإن قرارات السياسة النقدية الأمريكية والتحولات في الأسواق العالمية ستظل تؤثر على الاتجاه العام للأسعار.

 تصاعد التوترات التجارية يدعم الذهب وسط ارتفاع مبيعات التجزئة الأمريكية

في تطور اقتصادي بارز، أعلن مكتب الإحصاء الأمريكي أن مبيعات التجزئة قفزت بنسبة 1.4% خلال مارس. هذه الزيادة تُعد الأعلى منذ أكثر من عامين، متجاوزة توقعات الأسواق التي أشارت إلى ارتفاع بنسبة 1.3% فقط. جاء ذلك بعد تعديل قراءة فبراير إلى ارتفاع بنسبة 0.2%. تعكس هذه البيانات مرونة إنفاق المستهلكين رغم الضغوط التضخمية المتزايدة.

في هذا السياق، صرح جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أن البنك لا يميل إلى خفض أسعار الفائدة في الأجل القريب. أرجع ذلك إلى ضغوط تضخمية محتملة تنجم عن السياسات التجارية المتشددة للرئيس دونالد ترامب. وتحديدًا، أشار إلى أن الرسوم الجمركية الجديدة قد تزيد من تكاليف الواردات، مما يرفع الأسعار محليًا ويُصعّب احتواء التضخم.

في المقابل، واصل الذهب الاستفادة من هذا التوجه. فرغم بعض الضغوط المؤقتة على السعر، لا يزال المستثمرون يُفضّلون الذهب كملاذ آمن في ظل هذه التوترات. فالتصعيد بين واشنطن وبكين أشعل مخاوف عالمية من تباطؤ اقتصادي واسع. ترامب فرض مؤخرًا تعريفات جمركية إضافية، ما دفع الصين للرد برسوم انتقامية بنسبة 125% على السلع الأمريكية، وفرض قيود على تصدير المعادن الأرضية النادرة.

التوقعات طويلة الأمد: هل يصل الذهب إلى 4000 دولار؟

هذه الخطوات فاقمت حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية. كما فرضت الولايات المتحدة قيودًا جديدة على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي إلى الصين، مما زاد من تعقيد الوضع التجاري. الصين، من جانبها، أكدت أنها لن تخضع للضغوط، وأبدت استعدادها للمواجهة دون تردد. هذه اللهجة الحادة عمقت المخاوف من تصاعد النزاع الاقتصادي بين أكبر اقتصادين في العالم.

وسط هذه الأجواء، أظهرت أسواق الأسهم الآسيوية تحسنًا ملحوظًا يوم الخميس. لكن هذا التحسن، إلى جانب بعض عمليات شراء الدولار، حدّ من شهية المستثمرين نحو الذهب مؤقتًا. ومع ذلك، حافظ الذهب على جزء كبير من مكاسبه، مستفيدًا من التوقعات بأن البنك الفيدرالي قد يُعيد التفكير في موقفه النقدي إذا استمر التصعيد التجاري وأثر سلبًا على النمو.

المستثمرون، من جهتهم، ما زالوا يراقبون عن كثب احتمالات قيام الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة في يونيو المقبل. أي تلميحات بشأن تغيير المسار النقدي قد تدفع أسعار الذهب إلى مزيد من الصعود. فخفض الفائدة يقلل من جاذبية الدولار، ويزيد الإقبال على الأصول غير المدرة للعائد مثل الذهب.

في هذه الأثناء، يترقب المتداولون تقارير اقتصادية مهمة خلال الأيام المقبلة. تتضمن هذه التقارير بيانات البطالة الأسبوعية، ومؤشر فيلادلفيا الصناعي، إلى جانب مستجدات سوق الإسكان. كما تُراقب الأسواق عن كثب أي تعليقات جديدة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي. هذه العناصر مجتمعة قد تحرك السوق على المدى القصير وتؤثر على توقعات أسعار الذهب والدولار.

بعد موجة الارتفاعات الأخيرة، بدأ الحديث يتزايد عن احتمال بلوغ الذهب مستوى 4000 دولار للأونصة. يرى بعض الخبراء أن هذا المستوى ليس مستبعدًا، بل قد يتحقق في حال استمرار الظروف الاقتصادية الحالية.

كاميرون جود، مدير صندوق استثماري متخصص في الذهب، عبّر عن ثقته في هذا التوجه. يعتقد جود أن ضعف الدولار الأمريكي والطلب القوي من البنوك المركزية يدفعان الذهب نحو مستويات غير مسبوقة. أشار إلى أن البنوك المركزية لا تشتري الذهب بناءً على سعره اللحظي، بل تشتريه كتحوط طويل الأجل.

صناديق الاستثمار المتداولة في استعادة نشاطها

فعلى سبيل المثال، تمتلك الصين نسبة صغيرة نسبيًا من احتياطياتها الأجنبية على شكل ذهب. في المقابل، تملك دول متقدمة أخرى نسبًا أعلى بكثير. لذلك، يرى جود أن هناك مجالًا واسعًا أمام الصين وغيرها لزيادة مشترياتها من الذهب في الفترة المقبلة.

علاوة على ذلك، بدأت صناديق الاستثمار المتداولة في استعادة نشاطها. سجلت الصناديق الصينية، على وجه الخصوص، تدفقات قوية في أبريل، بعد أن زادت حيازاتها بمقدار 29 طنًا خلال أسبوعين فقط. يوضح هذا الاتجاه أن المستثمرين الأفراد عادوا للاهتمام بالذهب كمصدر للأمان.

إذا استمرت هذه العوامل في التراكم، فقد يصل الذهب إلى 4000 دولار خلال الفترة المقبلة. سيؤدي ذلك إلى ارتفاع السعر المقوّم بالدولار الأسترالي أيضًا، ليقفز من 5100 دولار إلى أكثر من 6300 دولار للأونصة.

وفي ظل متوسط تكاليف إنتاج الذهب في أستراليا ونيوزيلندا الذي يبلغ 2051 دولارًا للأونصة، فإن أي ارتفاع إضافي سيوسع هوامش أرباح شركات التعدين. هذا بدوره يعزز جاذبية الاستثمار في أسهم شركات الذهب، ويزيد من احتمالية تدفق رؤوس الأموال إلى القطاع.

مقالات ذات صلة