شهد سعر الذهب خلال الأشهر الأولى من عام 2025 موجة من التقلبات السعرية، تراوحت بين مستويات 2,050 و2,350 دولارًا للأونصة، مدفوعًا بعوامل اقتصادية وجيوسياسية متباينة. ومع ذلك، بدأت التساؤلات تتصاعد مؤخرًا حول احتمالية تراجع المعدن الأصفر إلى ما دون حاجز 2,000 دولار مجددًا، خاصة مع تزايد المؤشرات على استقرار بعض الاقتصادات الكبرى، وارتفاع شهية المخاطرة لدى المستثمرين. هذا السؤال ليس ترفًا نظريًا، بل يرتبط بشكل مباشر باستراتيجيات كبار المضاربين والمستثمرين الذين يعتمدون الذهب كأداة تحوط أو استثمار طويل الأمد.
الذهب يُعرف تقليديًا بأنه “ملاذ آمن”، يلجأ إليه المستثمرون في أوقات عدم اليقين.
مثل الحروب، الأزمات الاقتصادية، أو تقلبات الأسواق المالية. لكن في المقابل، فإنه يتأثر سلبًا عند ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى، خصوصًا الولايات المتحدة، حيث تصبح السندات والأصول الأخرى أكثر جاذبية من الذهب الذي لا يدرُّ عائدًا ثابتًا.
وفي هذا السياق، بدأت الأسواق تراقب بحذر تصريحات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن السياسة النقدية للفترة المتبقية من العام.
إذ أن أي تلميح لمواصلة تشديد السياسة النقدية قد يشكل ضغطًا سلبيًا على أسعار الذهب. أيضًا، فإن تحسن أداء الدولار الأمريكي، الذي يتحرك غالبًا بعلاقة عكسية مع الذهب.
قد يعزز من احتمالات كسر مستوى 2,000 دولار نزولًا.
أما المضاربون أو المتداولون على المدى القصير، فقد يجدون في هذا التراجع فرصة لتحقيق مكاسب سريعة عبر البيع على المكشوف أو الدخول في عقود الخيارات.
ومع ذلك، فإن السوق سيظل حساسًا للغاية تجاه أي تغيّر مفاجئ في المعطيات، مثل اندلاع أزمة جيوسياسية مفاجئة أو تراجع في مؤشرات سوق الأسهم.
مما قد يعيد المشترين بسرعة ويدفع الذهب للارتداد فوق حاجز 2,000 دولار. لذلك، فإن التوقعات تظل مشروطة، والسوق يتطلب متابعة دقيقة لكافة المؤشرات الاقتصادية والأحداث السياسية.
العوامل التي قد تدفع سعر الذهب للانخفاض
رغم أن الذهب لا يزال يحظى بدعم من عدة عوامل طويلة الأجل، مثل المخاطر الجيوسياسية والطلب المتزايد من البنوك المركزية.
إلا أن بعض المحللين يرون أن هناك عددًا من الظروف التي قد تضغط على السعر وتدفعه دون مستوى 2,000 دولار. من أهم هذه العوامل، تراجع معدلات التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا.
والتي كانت أحد المحركات الرئيسية لصعود الذهب في السنوات الماضية. فعندما تبدأ الأسعار في التراجع بشكل ملحوظ، يقل الدافع لدى المستثمرين للبحث عن ملاذات آمنة، ويتحول التركيز نحو الأصول ذات العائد.
كذلك، تشهد أسواق الأسهم حالة من الانتعاش النسبي، مدفوعة بتوقعات التعافي الاقتصادي في الصين وعودة الاستثمارات إلى الأسواق الناشئة. هذا التعافي النسبي في معنويات السوق، إلى جانب تحسن مؤشرات مثل الناتج المحلي الإجمالي وثقة المستهلك، يجعل الذهب أقل جاذبية في أعين المستثمرين الذين يفضلون المخاطرة من أجل عوائد أعلى. من جانب آخر، شهدت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب (ETFs) عمليات تخارج ملحوظة في الأسابيع الأخيرة.
وهو ما يُعد إشارة سلبية على المدى القصير.
ولا يمكن إغفال دور العوامل التقنية في هذه التوقعات.
فبعض المحللين الفنيين أشاروا إلى أن كسر مستوى الدعم عند 2,050 دولار قد يُمهّد الطريق لمزيد من الخسائر باتجاه 1,980 أو حتى 1,950 دولارًا.
خاصة في حال غياب أحداث جديدة تعيد الزخم الشرائي.
هل يشكل الهبوط فرصة شراء أم إشارة خطر؟
السؤال الأهم الذي يواجه المستثمرين الآن هو: هل سيكون هبوط الذهب إلى ما دون 2,000 دولار فرصة ذهبية للشراء.
أم مؤشرًا على بداية مرحلة هبوطية طويلة؟ الإجابة تعتمد على طبيعة المستثمر واستراتيجيته. بالنسبة للمستثمرين طويلَي الأجل، قد يُعدّ هذا الهبوط فرصة لإعادة التمركز في أحد أكثر الأصول موثوقيةً على المدى البعيد.
خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية في بعض المناطق، وتزايد ديون الدول الكبرى، وهي عوامل تدعم الذهب كأصل تحوطي.
متى وكيف ينهار سعر الذهب تحت 2000 دولار؟
رغم هذا الدعم الأساسي، فإن سيناريو هبوط الذهب دون 2000 دولار هذا العام ليس خياليًا. بل إنه أصبح ضمن الاحتمالات الواقعية لدى كثير من المحللين.
خاصة أولئك الذين يركزون على حركة رأس المال العالمية واستجابات الأسواق للفائدة والسيولة. على سبيل المثال، إذا قرر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الاستمرار في سياسة الفائدة المرتفعة لفترة أطول مما تتوقعه الأسواق، فإن هذا سيعني قوة إضافية للدولار.
مما يضغط على الذهب في الاتجاه المعاكس. هذا السيناريو معروف اقتصاديًا بـ”فرصة التكلفة”، حيث يُفضل المستثمرون الاحتفاظ بأدوات تدر عائدًا، كالودائع والسندات، بدلاً من الذهب.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تحسن مؤشرات الاقتصاد الأمريكي، مثل الناتج المحلي الإجمالي، أو تراجع معدلات البطالة.
قد يدفع الفيدرالي إلى تأجيل أي خفض للفائدة، ما يطيل أمد الضغط السلبي على الذهب. في هذه الحالة، قد نرى موجة بيعية من المستثمرين قصيري الأجل الذين يبحثون عن أرباح سريعة.
ما يفتح المجال أمام هبوط الذهب حتى مستويات 1950 دولارًا، وربما أقل في حال تراكمت عمليات البيع الآلي أو تم كسر مستويات دعم فني رئيسية.
وعلى الصعيد العالمي، فإن أي تهدئة في بؤر التوتر الجيوسياسي – مثل الأزمة الأوكرانية أو التوترات في الشرق الأوسط – قد تسهم في تراجع الطلب على الذهب كملاذ آمن.
وخصوصًا من جانب الأفراد وصناديق التحوط. هذا يعني أن الأسواق المالية بشكل عام باتت أكثر استعدادًا للتعامل مع المخاطر.
وهو أمر يعيد الذهب إلى وظيفته التقليدية كأصل بديل وليس كضرورة تحوطية. لذلك، فالتغير في “مزاج السوق” تجاه المخاطرة يمكن أن يكون عاملاً حاسمًا في كسر حاجز 2000 دولار نزولًا.
على ضوء ما سبق، يمكن القول إن احتمال انخفاض سعر الذهب إلى ما دون 2,000 دولار خلال 2025 ليس مستبعدًا.
لكنه أيضًا ليس أمرًا مضمونًا. المسألة تعتمد على مجموعة معقدة من العوامل المتشابكة، بدءًا من سياسات الفائدة الأمريكية، ومرورًا بأداء الدولار، ووصولًا إلى المشهد الجيوسياسي العالمي.