أظهرت الأرقام الصادرة مؤخرًا أن الاقتصاد البريطاني شهد تباطؤًا كبيرًا في الربع الثالث من عام 2024. بعد تولي حزب العمال السلطة تحت قيادة كير ستارمر، كان من المتوقع أن يسهم هذا التغيير في تعزيز الاقتصاد والنمو. ومع ذلك، يبدو أن الوضع كان مختلفًا تمامًا، حيث فشل الاقتصاد في تحقيق أي نمو.
وفقًا لمكتب الإحصاء الوطني البريطاني، لم يتغير الناتج المحلي الإجمالي في الأشهر الثلاثة حتى سبتمبر.
مما يعد خفضًا كبيرًا عن التقديرات الأولية التي توقعت نموًا بنسبة 0.1٪. أما في الربع الثاني، كانت التوقعات تشير إلى نمو بنسبة 0.5٪، لكن النتائج أظهرت زيادة ضعيفة قدرها 0.4٪ فقط. هذا التباطؤ يعكس معضلة كبيرة بالنسبة لحكومة حزب العمال، التي تعهدت بتعزيز النمو وتحسين مستويات المعيشة.
الاقتصاد البريطاني في مواجهة التحديات
تواجه المملكة المتحدة عدة ضغوط اقتصادية تتراكم على بعضها البعض. مع استمرار التضخم والضرائب المرتفعة، أصبحت الشركات والمستهلكين أكثر حذرًا. ومع الزيادة الكبيرة في الضرائب على الرواتب التي تم الإعلان عنها في ميزانية 30 أكتوبر، أضافت الحكومة عبئًا إضافيًا على القطاع الخاص، وهو ما انعكس بشكل سلبي على النشاط الاقتصادي.
في وقت لاحق من نفس الأسبوع، حذر اتحاد الصناعة البريطانية من انخفاض حاد في النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. وأشار التقرير إلى أن تداعيات الزيادات الضريبية البالغة 26 مليار جنيه إسترليني سيكون لها تأثير كبير على الشركات الصغيرة والمتوسطة.
من جانبها، أوضحت وزيرة الخزانة، راشيل ريفز، أن التحديات التي تواجهها الحكومة كبيرة للغاية. وأضافت أن إصلاح الاقتصاد البريطاني وتمويل ماليته العامة بشكل صحيح بعد 15 عامًا من الإهمال أمر شاق. ورغم هذه التصريحات، لم يتأثر الجنيه الإسترليني كثيرًا أمام الدولار الأمريكي، حيث استقر عند 1.2565 دولار.
مؤشرات اقتصادية غير مشجعة
توقع بنك إنجلترا أن يشهد الاقتصاد البريطاني نموًا صفريًا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2024. كما أظهرت مسوحات مديري المشتريات أن الوضع الاقتصادي في المملكة المتحدة لا يزال غير مستقر. قال بول ديلز، كبير الاقتصاديين في كابيتال إيكونوميكس، إن الاقتصاد البريطاني شهد تباطؤًا واضحًا في النصف الثاني من العام بسبب العديد من العوامل السلبية. وأوضح أن الضغوط الناتجة عن أسعار الفائدة المرتفعة وضعف الطلب الخارجي، بالإضافة إلى القلق المتزايد بشأن السياسات الاقتصادية، ساهمت في هذا التراجع.
علاوة على ذلك، شهدت الأسر البريطانية في الربع الثالث من العام ثابتًا في الدخل المتاح.
وهو ما يعد أول تراجع منذ عام كامل. في هذا السياق، انخفضت نسبة الادخار من 10.3٪ في الربع الثاني إلى 10.1٪ في الربع الثالث، مما يدل على أن الأسر بدأت في استخدام مدخراتها لمواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة. ورغم ذلك، يبقى هذا المستوى أعلى من المتوسطات التي كانت سائدة قبل الوباء.
التوقعات المستقبلية للعام 2025
يترقب الاقتصاد البريطاني المزيد من الرياح المعاكسة في عام 2025، خاصة في ظل التهديدات المستمرة للحرب التجارية، التي أشعلها الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب. تشير بعض التوقعات إلى أن الاقتصاد البريطاني قد يتجنب الركود بفضل الإنفاق الحكومي الإضافي الذي تم الكشف عنه في الميزانية الأخيرة. لكن لا تزال الشكوك تحوم حول استدامة هذا النمو إذا استمرت الضغوط الاقتصادية العالمية.
من جهة أخرى، قالت هيئة الإحصاء الوطنية إن قطاع الخدمات البريطاني شهد استقرارًا في الربع الثالث من عام 2024، مع انخفاض بنسبة 0.4٪ في الإنتاج الصناعي. وعلى الرغم من زيادة بنسبة 0.7٪ في قطاع البناء، كان أداء بعض القطاعات مثل المطاعم والحانات والشركات القانونية والإعلانات أقل مما كان متوقعًا. وهو ما يعكس التحديات التي تواجهها هذه الصناعات في ظل التباطؤ العام في الاقتصاد.
الإنفاق الاستهلاكي: محرك محتمل للنمو
في عام 2025، قد يشكل الإنفاق الاستهلاكي عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاه الاقتصاد البريطاني. إذا قررت الأسر البريطانية استخدام مدخراتها الفائضة، قد يشهد الاقتصاد دفعة قوية. وفي حالة انخفاض أسعار الفائدة، قد تشجع هذه العوامل المستهلكين على الإنفاق بشكل أكبر. لكن رغم هذه الاحتمالات، قد يظل الحذر سائدًا في ظل الظروف السياسية والاقتصادية غير المستقرة في الداخل والخارج.
مقارنة مع الولايات المتحدة: الاختلافات الاقتصادية
الاقتصاد البريطاني يختلف بشكل ملحوظ عن نظيره الأمريكي. بينما يواجه الاقتصاد البريطاني تحديات كبيرة، فإن الولايات المتحدة قد شهدت نموًا اقتصاديًا قويًا. ويعود ذلك إلى استعداد الأمريكيين لاستنزاف مدخراتهم الاحترازية.
وهو ما أسهم في دفع الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة إلى مستويات مرتفعة. على الرغم من أن الإنفاق الاستهلاكي في المملكة المتحدة ظل أعلى قليلاً من مستويات ما قبل الوباء، إلا أن الفارق بين الأداء الاقتصادي للمملكتين كان واضحًا.
العجز في الحساب الجاري: تداعيات اقتصادية
أظهرت أرقام منفصلة اتساع العجز في الحساب الجاري البريطاني إلى 20 مليار جنيه إسترليني في الربع الثالث من عام 2024. يعكس هذا الرقم الفارق بين الأموال الخارجة من المملكة المتحدة والأموال الوافدة إليها. هذه الزيادة تعني أن الاقتصاد البريطاني لا يزال يعاني من فجوة تجارية متسعة، مما يضعف موقفه المالي على الساحة الدولية. ويعود هذا التدهور إلى زيادة أرباح المستثمرين الأجانب في المملكة المتحدة، وهو ما يؤدي إلى زيادة خروج الأموال من البلاد.
في الختام، يواجه الاقتصاد البريطاني تحديات كبيرة قد تؤثر على مستقبله في السنوات القادمة. مع تباطؤ النمو وارتفاع الضرائب والتضخم، فإن الحكومة البريطانية تحت قيادة حزب العمال ستجد نفسها أمام معركة صعبة لإعادة النشاط الاقتصادي إلى مساره الصحيح. مع ذلك، فإن الإنفاق الاستهلاكي قد يشكل أحد المحركات التي يمكن أن تساهم في دعم الاقتصاد في عام 2025. وبينما يواجه الاقتصاد البريطاني مزيدًا من الرياح المعاكسة، تبقى الحاجة الملحة إلى استراتيجيات إصلاح اقتصادي مستدامة للتغلب على هذه التحديات وتحقيق النمو المرجو.