في ظل استمرار الضبابية الاقتصادية التي تحيط بالاقتصاد الأسترالي، أظهرت بيانات حكومية صدرت مؤخرًا أن النمو الاقتصادي في البلاد يسير بوتيرة بطيئة، على الرغم من تحسن وضع الأسر وانتعاش مستوى الإنفاق. ورغم التوقعات التي لا تزال غير مؤكدة بسبب التضخم الداخلي المستمر وتوترات التجارة الدولية، يبقى الوضع الاقتصادي تحت مراقبة مستمرة.
وفقًا للأرقام التي أعلنت عنها الحكومة يوم الأربعاء، شهد الناتج المحلي الإجمالي في أستراليا ارتفاعًا بنسبة 0.6%.
وهو ما يمثل ضعف وتيرة النمو في الربع الثالث. هذا الارتفاع، رغم أنه أقل من المعدلات التي اعتادت عليها أستراليا في السابق، تجاوز التوقعات السنوية التي كانت تشير إلى زيادة بمقدار 1.1%، ليصل التوسع السنوي إلى 1.3%.
وهو ما يعد خطوة إيجابية على المدى القصير.
الاقتصاد المحلي وتحديات النمو الفردي
من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، شهدت البلاد تحسنًا طفيفًا بلغ 0.1%، بعد سبعة أرباع متتالية من التراجع. هذا النمو البسيط، بحسب بعض الخبراء الاقتصاديين، كان مدفوعًا في الأساس بضعف النمو السكاني. وبالتالي، فإن التحسن الطفيف الذي تم تسجيله قد لا يكون كافيًا لتحقيق النمو المستدام في المستقبل.
وقد أشار ستيفن سميث، الشريك في “ديلويت أكسيس إيكونوميكس”، إلى أن أستراليا قد تكون قد مرت بأسوأ نقطة في الدورة الاقتصادية. وقال: “لقد ظهرت بعض البراعم الخضراء التي تشير إلى بداية التعافي. ومع ذلك، لا يمكن القول إن الاقتصاد قد وصل إلى كامل طاقته بعد. في حال لم تُتخذ خطوات إضافية لتشجيع نمو القطاع الخاص وزيادة الاستثمار، فإن التحسن الذي تحقق سيكون محدودًا”.
وفي ظل هذه التحديات، أشار بنك الاحتياطي الأسترالي إلى أنه يتوقع ارتفاعًا طفيفًا في النمو الاقتصادي ليصل إلى 2.4% بنهاية العام الجاري. وعلى الرغم من ذلك، فإن الاقتصاد الأسترالي لا يزال يعاني من تأثيرات التضخم، الذي يمثل تحديًا كبيرًا للنمو على المدى الطويل.
السياسة النقدية والتحديات المرتبطة بها
خلال الشهر الماضي، خفض بنك الاحتياطي الأسترالي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أربع سنوات، لتصل إلى 4.1%. وكانت هذه الخطوة قد اتُخذت بناءً على زيادة الثقة في أن التضخم بدأ يتجه نحو الهدف المستهدف بين 2% و3%. على الرغم من السياسة النقدية المقيدة، فإن الخبراء الاقتصاديين يرون أن هذه السياسة قد تسهم في دعم الاقتصاد في المدى القريب.
ومن المتوقع أن تؤدي هذه السياسة التيسيرية إلى دعم الاقتصاد بشكل أكبر.
ما سيساعد في تحفيز النمو في ظل الظروف الاقتصادية الحالية. ومع ذلك، يرى البعض أن خفض أسعار الفائدة قد لا يكون كافيًا لتحقيق التحسن الكبير المطلوب في الأداء الاقتصادي الكلي.
أثر الإنفاق الحكومي على الاقتصاد الأسترالي
لا يمكن تجاهل الدور الكبير الذي يلعبه الإنفاق الحكومي في الاقتصاد الأسترالي. حيث أظهرت البيانات أن الإنفاق الحكومي قد ارتفع بنسبة 0.7% في الربع الرابع.
وهو ما ساعد في الحفاظ على استقرار الاقتصاد. ومع ذلك، يشير بعض الاقتصاديين إلى أن هذا الإنفاق يعكس “استمرار الإضاءة” للاقتصاد دون تحقيق نقلة حقيقية في الإنتاجية والنمو المستدام.
وقد أكد بوب كونين، الخبير الاقتصادي في “إم إل سي لإدارة الأصول”، أن الإنفاق الحكومي كان أحد العوامل الرئيسية التي ساعدت في إبقاء الاقتصاد الأسترالي نشطًا في هذه الفترة. إلا أنه في الوقت نفسه، أكد على أن هذا النوع من الإنفاق لا يمكن أن يكون الحل طويل الأمد. فمن دون تعزيز النمو الخاص وزيادة الاستثمارات في القطاعات الحيوية، لن يتمكن الاقتصاد الأسترالي من الوصول إلى معدلات النمو المستدامة التي كانت قد اعتاد عليها في فترة ما قبل الجائحة.
على الرغم من التحديات التي يواجهها الاقتصاد الأسترالي، فإن هناك بعض المؤشرات الإيجابية التي قد تساعد في تحفيز النمو في المستقبل. تشير التوقعات إلى أن النمو في القطاع الخاص قد يتسارع في حال تحسنت الثقة في الأسواق، وتُرك المجال للقطاع الخاص لزيادة استثماراته. وفي حال تحقق ذلك، قد يشهد الاقتصاد الأسترالي انتعاشًا تدريجيًا في الأشهر المقبلة.
مؤشرات الإنتاجية وتحديات القطاع العمل
بالرغم من الزيادة الطفيفة في الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن مقاييس الإنتاجية في أستراليا كانت ضعيفة خلال الفترة الأخيرة. على سبيل المثال، أظهرت البيانات أن الناتج المحلي الإجمالي لكل ساعة عمل قد انخفض للربع الثالث على التوالي. كما أن تكاليف وحدة العمل غير الزراعية، والتي تم تعديلها لتأخذ في الحسبان معدل التضخم، لا تزال مرتفعة.
وقد أشار أليكس جوينر، كبير خبراء الاقتصاد في “آي إف إم إنفستورز”، إلى أن هذه البيانات تشير إلى استمرار المشاكل في الإنتاجية، وهو ما يعد أحد التحديات الرئيسية التي تواجه الاقتصاد الأسترالي. وقال: “تكاليف وحدة العمل ما تزال مرتفعة.
ومن غير المرجح أن تُحدث هذه الأرقام تحركًا ملموسًا في سياسة بنك الاحتياطي الأسترالي في المدى القريب. المشكلة الأساسية تكمن في الإنتاجية التي تسجل نتائج سلبية مستمرة”.
التحديات الخارجية وتأثير التجارة الدولية
تُضاف إلى التحديات الداخلية تلك الناتجة عن الأوضاع الاقتصادية العالمية المتقلبة. حيث يواجه الاقتصاد الأسترالي العديد من الضغوطات الخارجية الناجمة عن توترات التجارة الدولية.
وخاصة في ظل النزاعات التجارية بين الدول الكبرى. هذه التوترات من شأنها أن تؤثر على حركة الصادرات والواردات.
ما يساهم في تعقيد المشهد الاقتصادي ويزيد من حالة الضبابية التي تحيط بمستقبل النمو الاقتصادي في البلاد.
في النهاية، بينما تبقى أستراليا في مرحلة من التعافي الاقتصادي البطيء، فإن الوضع الحالي لا يزال بعيدًا عن التوقعات التي كانت قد رُسمت قبل جائحة كوفيد-19. وعلى الرغم من بعض التحسن في الناتج المحلي الإجمالي، لا يزال أمام الاقتصاد الأسترالي العديد من التحديات الداخلية والخارجية. لكن في حال تم اتخاذ تدابير استراتيجية لتحفيز النمو الخاص وزيادة الإنتاجية.
قد يكون هناك أمل في تحقيق تحسن مستدام خلال السنوات المقبلة.