ارتفعت أسعار النفط يوم الخميس، مدفوعة بتجدد المخاوف من تعطل الإمدادات، بعد أن فرضت واشنطن عقوبات إضافية على صادرات النفط الإيرانية. جاء هذا التطور وسط حالة من التوتر الجيوسياسي، وتفاعل الأسواق مع مؤشرات مختلفة، أبرزها الموقف الأميركي المتشدد تجاه طهران، وتحركات أوبك، وأرقام المخزونات الأميركية.
في تمام الساعة 09:00 صباحًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع خام برنت لشهر يونيو بنسبة 1.3% ليصل إلى 66.69 دولارًا للبرميل. كما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 1.5% إلى 63.40 دولارًا. ويبدو أن كلا الخامين في طريقهما لتحقيق أول مكسب أسبوعي منذ ثلاثة أسابيع، حيث بلغا أعلى مستوياتهما في أسبوعين. ويتزامن ذلك مع آخر يوم تداول أسبوعي قبل عطلة عيد الفصح.
العقوبات الأميركية تشعل الأسواق
فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات جديدة على قطاع النفط الإيراني، ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار. استهدفت العقوبات مصافي “إبريق الشاي” الصينية، وهي مصافٍ صغيرة ومستقلة تشتري الخام الإيراني بأسعار منخفضة. وقد شملت الإجراءات كيانات وسفن وشركات تُسهّل نقل الخام الإيراني، ضمن حملة “الضغط الأقصى” لإيقاف صادرات إيران النفطية بالكامل.
في سياق متصل، تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات نووية حساسة. عُقدت جولة مفاوضات في سلطنة عمان، ومن المرتقب استئنافها قريبًا في العاصمة الإيطالية روما. وتؤثر هذه المحادثات بشكل مباشر على الأسواق، لأنها قد تُفضي إلى تخفيف العقوبات، أو تصعيد إضافي.
وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن الإجراءات الجديدة تهدف إلى وقف تمويل الأنشطة النووية الإيرانية، وحرمان طهران من العوائد النفطية. وأضافت أن إيران تواصل استخدام أسطول ناقلات الظل لتهريب النفط، وهو ما يستدعي تدخلًا صارمًا.
تحركات أوبك وتوقعات الإمدادات
من ناحية أخرى، أعلنت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) أنها تلقت خططًا جديدة من العراق وكازاخستان لخفض الإنتاج. تهدف هذه التخفيضات إلى تعويض التجاوزات السابقة للحصص المقررة في الأشهر الماضية. ومع ذلك، ما زال الالتزام الكامل غير مؤكد حتى الآن.
مخزونات أميركا: إشارات مختلطة
قالت المحللة ليفيا جالاراتي من شركة “إنرجي أسبكتس” إن بعض الدول تواجه صعوبات في تنفيذ التخفيضات. وأشارت إلى أن السوق لا ترى التزامًا فعليًا من جميع الأعضاء، ما يخلق حالة من الغموض حول توازن العرض والطلب. لكنها أضافت أن مجرد الإعلان عن النية قد يمنح الأسعار دفعة قصيرة الأجل.
على صعيد المخزونات، أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مخزونات النفط الخام زادت بمقدار 515 ألف برميل في الأسبوع المنتهي في 11 أبريل. وقد فاقت هذه الزيادة توقعات المحللين التي كانت تشير إلى ارتفاع قدره 507 آلاف برميل.
لكن في المقابل، انخفضت مخزونات البنزين بمقدار مليوني برميل، لتسجل 234 مليون برميل. كما تراجعت مخزونات المقطرات – التي تشمل الديزل وزيت التدفئة – بمقدار 1.9 مليون برميل، لتصل إلى 109.2 مليون، وهو أدنى مستوى لها منذ نوفمبر 2023.
وتعني هذه البيانات أن السوق الأميركية تشهد وفرة في النفط الخام، ولكن مع طلب قوي على المنتجات المكررة. وهذا التناقض يُربك المستثمرين الذين يبحثون عن إشارات أوضح لاتجاه السوق.
واصلت أسعار النفط ارتفاعها اليوم الخميس، مدعومة بإشارات جديدة على تشديد المعروض.
تعهد عدد من منتجي منظمة أوبك، خاصة العراق وكازاخستان، بتنفيذ تخفيضات إضافية في الإنتاج خلال الأشهر المقبلة. وجاءت هذه الخطوة لتعويض الكميات الزائدة التي ضخوها سابقًا، والتي تجاوزت الحصص المتفق عليها داخل تحالف أوبك+. وتعكس هذه الالتزامات رغبة الدول المنتجة في دعم استقرار السوق، والحفاظ على التوازن بين العرض والطلب. ومن المتوقع أن تؤدي هذه التخفيضات إلى تقليص الإمدادات العالمية تدريجيًا، مما يزيد الضغط على الأسواق وسط طلب قوي نسبيًا. وقد رحبت الأسواق بهذه التحركات، حيث يعوّل المستثمرون على تنفيذ فعلي للتعهدات، في ظل شكوك متكررة حول مدى الالتزام داخل أوبك+. وتأتي هذه التطورات بينما تظل العوامل الجيوسياسية والتجارية مؤثرة على اتجاهات الأسعار في الأجل القصير.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 34 سنتا أو 0.5 بالمئة إلى 66.19 دولار للبرميل، وبلغ خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 62.91 دولار للبرميل، بزيادة 44 سنتا أو 0.7 بالمئة.
تصريحات داعمة لأسعار النفط
قال المحلل جيوفاني ستونوفو من بنك “يو بي إس” إن العقوبات الأميركية الأخيرة تؤثر مباشرة على معادلة العرض العالمي. وأضاف أن لهجة وزارة الخزانة المتشددة تزيد المخاوف من حدوث نقص في الإمدادات، وهو ما يدفع المستثمرين إلى الشراء التحوطي.
وفي السياق ذاته، أوضح متابعون أن الأسواق لا تركز فقط على العقوبات، بل تنظر أيضًا إلى التوقعات المستقبلية. فالوضع السياسي المعقد بين واشنطن وطهران لا يُبشّر بانفراج سريع، ما يدعم استقرار الأسعار عند مستويات مرتفعة.
أسعار النفط و ضغوط من التجارة العالمية
بالتوازي مع القضايا الجيوسياسية، تشهد الأسواق ضغوطًا متزايدة بسبب التوترات التجارية. فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية جديدة على عدد من الواردات، وردّت بعض الدول بإجراءات مماثلة. هذا التصعيد أثار فوضى في حركة التجارة العالمية، وأدى إلى خفض التوقعات لنمو الطلب على النفط.
خفضت وكالة الطاقة الدولية ومنظمة أوبك، إلى جانب مؤسسات مالية مثل جولدمان ساكس وجيه بي مورجان، توقعاتها لنمو الطلب وأسعار النفط خلال 2025. وتستند هذه التوقعات إلى ضعف الاستهلاك في آسيا وأوروبا، وارتفاع تكاليف النقل، وتأثر سلاسل الإمداد العالمية.
أسعار النفط و آفاق السوق
حتى الآن، تواصل الأسواق البحث عن توازن بين العوامل المتعارضة. من جهة، تشجع العقوبات والمخاوف الجيوسياسية على رفع الأسعار. ومن جهة أخرى، تقيد المخاوف من ركود اقتصادي عالمي وفرة الطلب.
ومع اقتراب موسم القيادة الصيفي في الولايات المتحدة، من المتوقع أن يزداد استهلاك الوقود، مما قد يدعم الأسعار على المدى القصير. لكن أي تطورات في المحادثات النووية مع إيران، أو قرارات جديدة من أوبك، قد تغير مسار السوق فجأة.
تتوقع “إنرجي أسبكتس” أن يبقى خام برنت بين 65 و72 دولارًا في الربع الثاني، ما لم تحدث صدمات غير متوقعة. وتقول ليفيا جالاراتي إن الأسواق ستظل شديدة الحساسية تجاه البيانات السياسية والاقتصادية، خصوصًا في ظل الوضع الحالي.
أسعار النفط تسجل مكاسب قوية نتيجة مزيج من العوامل السياسية والاقتصادية. العقوبات على إيران تلعب دورًا محوريًا، لكنها ليست العامل الوحيد. كما أن التوترات التجارية وتذبذب الطلب العالمي تسهم في تشكيل منحنى الأسعار.