في تطور جديد للعلاقات بين كييف وواشنطن، وقّعت الحكومتان مذكرة تفاهم تمثل بداية طريق نحو اتفاقية رسمية لتطوير الموارد المعدنية في أوكرانيا. جاء هذا التوقيع، يوم الخميس، بعد شهور من الجهود الدبلوماسية المكثفة التي هدفت إلى تقريب وجهات النظر وتعزيز التعاون في مجال الصناعات الاستخراجية.
خلفية التوتر السابق
في فبراير الماضي، أبدى الجانبان رغبة واضحة في التوصل إلى اتفاق شامل بشأن الموارد الطبيعية. مع ذلك، تعثرت الخطوة الأخيرة نحو التوقيع الرسمي. والسبب كان توترًا سياسيًا حادًا، اندلع خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ذلك اللقاء، الذي شهد مشادة حادة، أجّل المشروع المشترك رغم التوافق السابق.
مع مرور الوقت، أدركت كييف ضرورة إصلاح العلاقات مع واشنطن. خاصة في ظل استمرار الحرب مع روسيا، التي بدأت غزوها الشامل لأوكرانيا عام 2022. من هنا، استأنف المسؤولون الأوكرانيون جهودهم من أجل استعادة الثقة وتفعيل الشراكات الاستراتيجية. وقد تُوِّجت تلك المساعي بالتوقيع الحالي، الذي وصفته أوكرانيا بالخطوة الأولى على طريق طويل نحو إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي.
تصريحات رسمية من الطرفين
عقب التوقيع، نشرت يوليا سفيريدينكو، النائبة الأولى لرئيس الوزراء ووزيرة الاقتصاد، بيانًا على وسائل التواصل الاجتماعي. أكدت خلاله أن التفاهم مع الولايات المتحدة يشكل أساسًا لاتفاقية شراكة اقتصادية كاملة، بالإضافة إلى إطلاق صندوق استثماري مخصص لإعادة بناء أوكرانيا.
وأضافت سفيريدينكو أن المذكرة الحالية تعزز الأمل في دعم أمريكي طويل الأجل. كما أوضحت أن هذه الخطوة تؤكد التزام الطرفين بتعاون متبادل المنفعة، خاصة في القطاعات التي تمتلك فيها أوكرانيا إمكانات جيولوجية هائلة، لا سيما المعادن الحيوية المستخدمة في التكنولوجيا والطاقة.
رؤية ترامب: الموارد مقابل الدعم العسكري
من جانبه، شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أهمية هذه الصفقة. حيث أشار إلى أن الولايات المتحدة دفعت دعمًا عسكريًا كبيرًا لأوكرانيا خلال عهد الرئيس السابق جو بايدن. والآن، يرى أن اتفاق المعادن يمثل وسيلة عادلة لاسترداد تلك الاستثمارات، عبر الحصول على امتيازات حصرية في الموارد الطبيعية الأوكرانية.
تفاصيل المفاوضات الأخيرة
خلال تصريحاته في البيت الأبيض، عبّر ترامب عن ثقته بأن الاتفاق النهائي سيُوقّع قريبًا. وقال بالحرف: “لدينا صفقة بشأن المعادن، وأعتقد أنها ستُوقّع يوم الخميس”. رغم ذلك، لم يُحدد التاريخ النهائي بشكل رسمي، وظل الطرف الأوكراني متحفظًا على تحديد موعد دقيق.
في نهاية الأسبوع الماضي، سافر وفد أوكراني رفيع المستوى إلى العاصمة الأمريكية. الهدف كان إجراء محادثات حاسمة بعد تلقي كييف عرضًا أمريكيًا جديدًا وواسع النطاق. وخلال الاجتماعات، توصل الجانبان إلى اتفاق إطار أولي، شمل خطوطًا عريضة للتعاون المستقبلي. ورغم أن هذا الاتفاق لم يُوَقّع رسميًا، إلا أنه وضع الأساس لتفاهمات أعمق.
وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، أكد أن العمل على التفاصيل مستمر. وقدّم ملاحظات إيجابية عن المسودة التي وصفها باتفاقية ضخمة من 80 صفحة. وأوضح بيسنت أن ما جرى الآن هو تتويج لما اتُّفق عليه سابقًا، مشيرًا إلى أن المرحلة التالية ستكون توقيع الاتفاق النهائي، ربما خلال أيام قليلة.
أهمية المعادن لأوكرانيا والغرب
لا يخفى على أحد أن أوكرانيا تمتلك ثروات معدنية ضخمة، تشمل الليثيوم والنيكل والعناصر الأرضية النادرة. هذه المواد تُعد ضرورية في الصناعات التقنية، لا سيما البطاريات والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة. ومن هنا، تسعى الولايات المتحدة لتأمين وصول موثوق ومستقر لهذه المواد، بعيدًا عن الهيمنة الصينية أو الروسية.
من ناحية أخرى، تحتاج كييف إلى استثمارات أجنبية لتحريك عجلة الاقتصاد، المتضرر بشدة جراء الحرب المستمرة. كما تبحث أوكرانيا عن شركاء موثوقين لدعم مشاريع البنية التحتية والتعافي بعد الحرب. وهنا، يشكل التعاون مع الولايات المتحدة فرصة استراتيجية لكلا الطرفين.
تعليقات زيلينسكي على المذكرة
في كييف، وصف الرئيس فولوديمير زيلينسكي المذكرة بأنها “نقطة انطلاق إيجابية”. وأوضح أن الجانبين يملكان نوايا بنّاءة تؤسس لتعاون طويل الأجل. وأضاف أن أوكرانيا لا تمانع توقيع المذكرة عبر الإنترنت، إذا تعذر اللقاء المباشر، وهو ما يعكس مرونة كييف في تسيير المفاوضات رغم الظروف المعقدة.
موقف البيت الأبيض: تحفظ إعلامي
كذلك أكد زيلينسكي أن الاتفاق الشامل سيتطلب تصديق البرلمان الأوكراني. ما يعني أن المذكرة الحالية لا تزال تمثل بداية فقط، وليست نهاية الطريق. لكنه شدد على أن كييف مستعدة للمضي قُدمًا وبشكل سريع نحو استكمال الاتفاق الرسمي. و رغم تصريحات ترامب ووزير الخزانة، لم يُصدر البيت الأبيض بيانًا رسميًا بشأن محتوى الاتفاق أو موعد توقيعه. كما لم يرد على استفسارات الصحفيين التي طُرحت حول آليات تنفيذ الاتفاق أو نطاق التعاون في ملف المعادن.
هذا الصمت ربما يعكس وجود نقاش داخلي لم يُحسم بعد.أو ربما تفضل الإدارة الأمريكية إعلان التفاصيل دفعة واحدة بعد التوقيع النهائي. ومع ذلك، فإن المؤشرات تؤكد أن واشنطن جادة في المضي قدمًا نحو شراكة اقتصادية واسعة مع كييف، مدفوعةً باعتبارات جيوسياسية واستراتيجية.
نظرة تحليلية للمشهد الحالي
ما يحدث الآن يعكس تحوّلًا مهمًا في العلاقات بين أوكرانيا والولايات المتحدة. ففي الوقت الذي تكافح فيه كييف ضد الغزو الروسي، تسعى واشنطن لتعزيز نفوذها الاقتصادي في منطقة أوراسيا، عبر استثمار الموارد الأوكرانية.
كذلك، فإن إقحام ملف المعادن في حسابات الدعم العسكري يعكس رؤية براغماتية من الإدارة الأمريكية. حيث تربط المساعدات بتحقيق مصالح طويلة الأجل، بدلًا من تقديمها دون مقابل واضح.
مستقبل الاتفاق: خطوات قادمة
يتوقّع محللون أن يُوقع الاتفاق الرسمي في غضون عده أسابيع. بعدها، سيبدأ تنفيذ المشاريع المشتركة في مجال التنقيب والتعدين والبنية التحتية. كما يُرجّح أن تشمل الاتفاقية تسهيلات جمركية، وشروطًا ضريبية خاصة، بالإضافة إلى نقل تكنولوجيا أمريكية حديثة لدعم القطاع الصناعي الأوكراني. ومع كل هذه التوقعات، يبقى عنصر الوقت حاسمًا. فنجاح الاتفاق يعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز العقبات التشريعية والإدارية، إلى جانب الحفاظ على التوافق السياسي.