تراجعت أسعار النفط يوم الاثنين بنسبة 3%، متأثرة بعدة تطورات سياسية واقتصادية. جاء هذا الانخفاض بعد تحقيق تقدم ملحوظ في المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. كما ساهمت المخاوف من تبعات الرسوم الجمركية الأميركية في تعزيز الاتجاه الهابط للأسعار.
انخفض خام برنت، الذي يُمثل ثلثي إنتاج النفط العالمي، بنسبة 2.8% ليبلغ 66.06 دولارًا للبرميل. في المقابل، تراجع خام غرب تكساس الوسيط، وهو الخام القياسي الأميركي، بنسبة 2.91% ليصل إلى 62.8 دولارًا للبرميل. وقد رُصد هذا الهبوط عند الساعة 2:11 مساءً بتوقيت الإمارات.
تقدم نوعي في محادثات إيران النووية
تزامن تراجع أسعار النفط مع أنباء إيجابية عن المحادثات النووية بين طهران وواشنطن. فقد أكدت مصادر دبلوماسية إحراز تقدم جديد خلال الجولة الثانية من المفاوضات التي استضافتها العاصمة الإيطالية روما.
قاد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، وفد بلاده في المحادثات التي توسطت فيها سلطنة عُمان. من الجانب الأميركي، حضر المبعوث ستيف ويتكوف ممثلًا عن إدارة الرئيس بايدن. استمرت هذه الجولة لأربع ساعات، ووصفها الطرفان بـ”الناجحة والبنّاءة”.
بحسب وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، فإن الأمور تسير نحو الأفضل. صرّح لقناة “إكسترا نيوز” قائلًا: “ما كان مستبعدًا بالأمس، بات ممكنًا اليوم”، في إشارة إلى تقارب وجهات النظر بين الطرفين.
تفاؤل بانتقال المفاوضات إلى المرحلة التالية
أعلنت وزارة الخارجية العُمانية أن المحادثات الأخيرة توصلت إلى تفاهمات أولية. شملت هذه التفاهمات الاتفاق على بدء المرحلة التالية من التفاوض، بهدف التوصل إلى “اتفاق عادل ودائم وملزم”. وأكد البيان أن الاجتماعات الأخيرة عززت الثقة المتبادلة بين الطرفين.
من جهتها، قالت فاندانا هاري، المديرة التنفيذية لشركة “فاندا إنسايتس” ومقرها سنغافورة، إن التقدم في هذه المفاوضات يعد تطورًا كبيرًا. وأضافت لصحيفة “ذا ناشيونال”: “خلال أسبوعين فقط، اختتمت الولايات المتحدة وإيران جولتين من المحادثات المثمرة”. ورغم تفاؤلها، أوضحت أن الأوضاع لا تزال غامضة.
العقوبات الأميركية تعيد إيران إلى الواجهة
رغم التقدم في المفاوضات، واصلت الولايات المتحدة فرض عقوبات على إيران. في الأسبوع الماضي، استهدفت واشنطن مصافي نفط إيرانية صغيرة تُعرف باسم “مصافي إبريق الشاي”، أغلبها يتخذ من الصين مقرًا له.
تهدف هذه العقوبات إلى تقليص صادرات إيران النفطية، خاصة تلك التي تمر عبر قنوات غير رسمية. كما تسعى إدارة بايدن لزيادة الضغط على طهران بغرض دفعها إلى تقديم تنازلات إضافية في الملف النووي.
إذا نجحت المفاوضات، فقد يؤدي ذلك إلى تخفيف العقوبات على صادرات النفط الإيرانية. في هذه الحالة، ستتزايد الإمدادات العالمية، مما قد يدفع الأسعار نحو مزيد من الهبوط.
تصعيد تجاري أميركي يهدد الاقتصاد العالمي
في سياق متصل، أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية شاملة على شركاء الولايات المتحدة التجاريين قلق الأسواق. يخشى المستثمرون من أن تؤدي هذه السياسة إلى تباطؤ اقتصادي عالمي يؤثر سلبًا على الطلب على الطاقة.
حذّر عدد من المحللين من أن استمرار هذا التصعيد التجاري قد يهدد تعافي الاقتصاد بعد جائحة كوفيد-19. وتوقعت بعض المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، خفض تقديراتها للنمو العالمي بسبب التوترات التجارية المتصاعدة.
صندوق النقد يستعد لتحديث توقعاته وسط ضغوط اقتصادية متزايدة
يستعد صندوق النقد الدولي لإصدار تقريره الجديد عن آفاق الاقتصاد العالمي. يأتي ذلك في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تحديات متصاعدة، أبرزها التوترات الجيوسياسية وتصاعد الحروب التجارية. ووفقًا لتصريحات المديرة العامة للصندوق، كريستالينا جورجيفا، فإن التوقعات المقبلة ستتضمن تخفيضات واضحة في معدلات النمو.
قالت جورجيفا الأسبوع الماضي: “التوقعات الجديدة ستُظهر تراجعًا ملحوظًا، لكنها لن تشير إلى دخول الاقتصاد في حالة ركود”. هذا التصريح يعكس رؤية متحفظة للصندوق.
وتجدر الإشارة إلى أن توقعات الصندوق السابقة أشارت إلى نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.3% في عام 2025. إلا أن تدهور الأوضاع المالية في الأسواق الناشئة، واستمرار ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، قد يدفع المؤسسة إلى مراجعة هذه الأرقام. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت التوترات بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين في تعزيز المخاوف من تباطؤ اقتصادي شامل.
الضغوط تتزايد على أسعار النفط
من جهة أخرى، تسعى المؤسسات الدولية، كصندوق النقد والبنك الدولي، إلى تهدئة الأسواق من خلال تقديم رسائل طمأنة. غير أن الأرقام الفعلية قد لا تعكس هذا التفاؤل. إذ أظهرت البيانات الأخيرة تباطؤًا في مؤشرات التصنيع والخدمات في العديد من الاقتصادات الكبرى، مثل الصين وألمانيا والولايات المتحدة.
مع ترقب المستثمرين لنتائج اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، عاد التركيز إلى التأثيرات السلبية للرسوم الجمركية على النمو. قالت فاندانا هاري في تعليق لاحق: “في ظل هذه الأجواء، من المرجح أن تعود التوقعات الضعيفة للنمو إلى الواجهة”.
وأضافت: “تدهور الطلب العالمي على النفط نتيجة تباطؤ الاقتصاد، سيؤثر على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة”. وأكدت أن الأسواق تعيش مرحلة ترقب حذرة، بسبب تداخل العوامل الجيوسياسية والاقتصادية.
انتعاش مؤقت ثم تراجع جديد
على الرغم من التراجع الحالي، شهدت أسعار النفط ارتفاعًا كبيرًا يوم الخميس الماضي. فقد ارتفعت الأسعار بأكثر من 3%، محققة أول مكسب أسبوعي لها منذ ثلاثة أسابيع. جاء هذا الارتفاع مدفوعًا بآمال التوصل إلى اتفاق تجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى العقوبات الجديدة على صادرات إيران.
لكن هذا الانتعاش لم يستمر طويلًا، حيث عادت الضغوط سريعا بفعل الأخبار الواردة من روما وواشنطن. ويبدو أن التقلب سيبقى سيد الموقف في الأسواق، وسط حالة من الضبابية وعدم اليقين.
الآفاق المستقبلية: مزيج من الحذر والتفاؤل
يراقب المتداولون تطورات المفاوضات الإيرانية الأميركية عن كثب. ففي حال حدوث انفراجة، قد تؤدي إلى عودة النفط الإيراني للأسواق، مما يعزز الإمدادات ويدفع الأسعار للهبوط.
في المقابل، قد تسهم العقوبات المستمرة والتوترات التجارية في رفع المخاطر الاقتصادية عالمياً. وبين هذا وذاك، يبقى الطلب على النفط مهددًا بعوامل متعددة، أبرزها التباطؤ في الأسواق الكبرى.
تتأرجح أسعار النفط بين مؤثرين رئيسيين: تقدم المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، وتصاعد النزاعات التجارية الأميركية. كلا العاملين يضغطان على السوق من جانبَي العرض والطلب. وبينما تترقب الأسواق قرارات صندوق النقد والبنك الدولي، تزداد الحاجة إلى وضوح سياسي واقتصادي عالمي.