في إطار رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى تعزيز مكانة المملكة كمركز تقني واقتصادي عالمي، أعلنت هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية السعودية في مايو 2025 عن منح الترخيص الرسمي لتشغيل خدمة الإنترنت الفضائي “ستارلينك”، التابعة لشركة “سبيس إكس” الأمريكية. هذا الإعلان لم يكن مفاجئًا للمراقبين، إذ إن المملكة تمضي بخطى متسارعة نحو رقمنة كافة القطاعات، وتوفير تغطية إنترنت متطورة حتى في المناطق النائية التي يصعب على البنية التحتية الأرضية الوصول إليها.
وتأتي موافقة السعودية بعد سلسلة من الاختبارات الفنية والتنسيقات التنظيمية التي دامت لأشهر بين الجهات المختصة وشركة “ستارلينك”، وتركّزت المرحلة الأولى من المشروع على تغطية قطاعات الطيران والملاحة البحرية.
وذلك لتوفير إنترنت عالي الجودة للطائرات والسفن التي تمر أو تعمل في الأجواء والمياه الإقليمية للمملكة. وهذا الاستخدام الموجه يعكس فهمًا استراتيجيًا لطبيعة احتياجات السوق المحلي.
ويُظهر في الوقت ذاته حرص المملكة على مواكبة التطورات العالمية في قطاع الاتصالات.
يتوقع الخبراء أن تسهم هذه الخدمة في تسريع وتيرة الابتكار في المملكة، خاصة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، التعليم عن بُعد، والخدمات اللوجستية.
وعلى الرغم من أن الخدمة متاحة حاليًا في قطاعات محددة.
إلا أن هناك خططًا مستقبلية لتوسيع نطاق الخدمة لتشمل المستخدمين السكنيين في مختلف أنحاء المملكة. ومع هذا التوسع، ستنضم السعودية إلى أكثر من 125 دولة تتيح هذه الخدمة، مما يعزز مكانتها كمركز تكنولوجي رائد في المنطقة.
القرار السعودي يحمل أبعادًا متعددة، إذ يعزز من تنافسية المملكة في مجالات الابتكار.
ويدعم قطاع السياحة والطيران من خلال توفير تجربة اتصال متميزة للمسافرين. كذلك، تسعى السعودية من خلال هذه الخطوة إلى دعم خدمات الطوارئ والكوارث.
حيث يمكن للإنترنت الفضائي أن يلعب دورًا محوريًا في توفير اتصال فوري في المناطق المتضررة. ويعد هذا الترخيص تتويجًا لسنوات من العمل على تحديث التشريعات التقنية والتوسع في شراكات دولية تضع السعودية في مقدمة الدول الداعمة للتكنولوجيا المتقدمة.
كيف تعمل ستارلينك؟ وما تكلفة الخدمة للمستخدمين في السعودية؟
“ستارلينك” هي منظومة مبتكرة تقدم خدمات الإنترنت من الفضاء عبر مجموعة ضخمة من الأقمار الصناعية تدور في المدار الأرضي المنخفض (LEO)، مما يقلل من وقت الاستجابة (Latency) مقارنة بخدمات الإنترنت الفضائي التقليدي. وبخلاف مزودي الخدمة الأرضية، تتيح “ستارلينك” الاتصال بالإنترنت في المناطق الريفية والصحراوية والمعزولة.
وهو ما ينسجم تمامًا مع تضاريس المملكة الواسعة التي تشمل صحارى، جبالًا، وجزرًا بحرية.
من حيث البنية التقنية، تعتمد الخدمة على طبق استقبال صغير الحجم (Dish) يُركّب على سطح المنزل أو المركبة، ويرتبط بجهاز توجيه (Router) لتوزيع الإنترنت في المكان. وتتم عملية الاتصال بين الطبق والأقمار الصناعية بشكل مباشر.
مما يوفر للمستخدم سرعة تصل إلى أكثر من 150 ميجابت/ثانية في بعض الحالات.
وهي سرعة تفوق بكثير معظم مزودي الخدمة التقليديين في المناطق غير الحضرية.
أما فيما يخص الأسعار، فقد كشفت المنصة رسميًا أن تكلفة الجهاز في السعودية تبلغ حوالي 499 دولارًا أمريكيًا (ما يقارب 1,870 ريالًا سعوديًا).
بينما تصل رسوم الاشتراك الشهري إلى 99 دولارًا (نحو 370 ريالًا سعوديًا). وعلى الرغم من أن هذه الأسعار قد تكون أعلى من متوسط السوق المحلي، فإنها مبررة في ضوء الأداء الفائق الذي توفره الخدمة.
خاصة في المواقع التي لا تصل إليها خدمات الألياف البصرية أو شبكات الجيل الخامس. كما أن شركة “ستارلينك” تعمل حاليًا على خطط لتوفير خيارات منخفضة التكلفة مستقبلاً تشمل اشتراكات جماعية للمزارع والمخيمات.
بالإضافة إلى حزم خاصة للشركات الصغيرة.
الجدير بالذكر أن الخدمة متاحة حاليًا في أكثر من 125 دولة، وهو ما يمنحها طابعًا عالميًا وموثوقية عالية.
ويمنح للمستخدم السعودي الفرصة للولوج إلى خدمة مستقرة ومجربة.
مدعومة بتحديثات متواصلة من فريق “سبيس إكس” الذي يعمل على تطوير البرمجيات وتحسين البنية التحتية باستمرار.
التوسع المرتقب وماذا يعني التشغيل للمستقبل الرقمي في السعودية؟
تشغيل “ستارلينك” في السعودية لا يمثل مجرد إضافة جديدة لخيارات الإنترنت، بل يشكل تحوّلًا جوهريًا في فلسفة الاتصال داخل المملكة. فالتكنولوجيا المعتمدة تفتح آفاقًا جديدة أمام قطاعات حيوية مثل التعليم عن بُعد، الصحة الرقمية، إنترنت الأشياء (IoT)، الزراعة الذكية. والنقل المتقدم.
خاصة في المناطق التي لم تكن مدعومة سابقًا بشبكات سلكية.
التوقعات تشير إلى أن “ستارلينك” ستدخل بشكل تدريجي إلى الاستخدام السكني خلال النصف الثاني من عام 2025، وذلك بعد الانتهاء من مرحلة التوسع التجريبي والتأكد من ملاءمة الخدمة للبيئة الجغرافية والمناخية في السعودية. وتعمل شركة “سبيس إكس” حاليًا مع موزعين محليين لتسريع عمليات التوريد والدعم الفني والتدريب.
وهو ما يضمن تجربة مستخدم سلسة وفعالة من اليوم الأول للاشتراك.
في السياق ذاته، أعلنت الهيئة السعودية للاتصالات عن خطط لتطوير إطار تنظيمي شامل يحكم الإنترنت الفضائي في المملكة.
مع التركيز على حماية البيانات الشخصية وضمان جودة الخدمة، ما يشير إلى نضج التشريعات السعودية في التعامل مع التكنولوجيا المتقدمة. ويتوقع المحللون أن هذه الخطوة ستشجع شركات أخرى – مثل “أمازون كويبر” – على التفاوض للحصول على تراخيص مستقبلية.
مما يخلق مناخًا تنافسيًا ينعكس إيجابيًا على المستخدمين.
التوسع في خدمة “ستارلينك” يعزز من مرونة الاقتصاد الرقمي السعودي، ويمنح المملكة أدوات جديدة لتحسين كفاءة الخدمات الحكومية.
وتوسيع قاعدة المستخدمين، وتحقيق طموحاتها في أن تصبح مركزًا رقميًا إقليميًا. فكلما توسعت التغطية وتحسنت جودة الاتصال، كلما زادت قدرة السعوديين على الابتكار.
وفتح أسواق جديدة تعتمد على الاتصال عالي السرعة، مثل الألعاب السحابية، البث المباشر، والمؤتمرات الافتراضية.
إطلاق “ستارلينك” في السعودية يمثّل علامة فارقة في مسار التحول الرقمي الذي تتبناه المملكة بكل طاقتها. ومع دخول هذه التقنية المتقدمة إلى السوق المحلي، فإن السعوديين سيشهدون قريبًا تحولًا في طريقة الاتصال، سواء في المنازل أو في الأماكن البعيدة.
مما يدعم مسيرة التقدم ويمنح الجميع فرصة للانخراط في اقتصاد المستقبل.