ارتفعت أسعار النفط بنحو 3%، حيث صعد خام برنت إلى 62.50 دولارًا للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط إلى 59.43 دولارًا للبرميل. يُعزى هذا الارتفاع إلى زيادة الطلب في أوروبا والصين، وانخفاض الإنتاج الأمريكي، والتوترات في الشرق الأوسط.
تأثيرات قرارات أوبك+ وتوقعات السوق
أعلنت أوبك+ عن تسريع وتيرة زيادة الإنتاج بمقدار 411 ألف برميل يوميًا في يونيو، مما أدى إلى تراجع أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها منذ أربع سنوات. خفضت المؤسسات المالية توقعاتها لأسعار النفط، حيث توقعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 65.85 دولارًا للبرميل في عام 2025.
تتوقع الأسواق استمرار التقلبات في أسعار النفط، مع ترقب نتائج المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وتطورات التوترات الجيوسياسية. يُشير المحللون إلى أن الأسعار قد تستقر في نطاق 60-65 دولارًا للبرميل على المدى القصير.
مع احتمالية التراجع في حال زيادة المعروض أو ضعف الطلب.
أُعلن يوم الثلاثاء أن المحادثات ستُعقد في سويسرا يومي السبت والأحد. من الجانب الأمريكي، سيقود المحادثات وزير الخزانة سكوت بيسنت وكبير المفاوضين التجاريين جيميسون جرير، بينما سيمثل الصين نائب رئيس الوزراء هي ليفنغ.
صرح بيسنت في مقابلة مع قناة فوكس نيوز يوم الثلاثاء أن المحادثات ستركز على خفض التصعيد بدلًا من التوصل إلى اتفاق تجاري رئيسي.
في غضون ذلك، دعت وزارة التجارة الصينية، في بيان صدر بعد الإعلان عن المحادثات، الولايات المتحدة إلى “إظهار الصدق” في المحادثات.
أدى تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، بالإضافة إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول فرض تعريفات جمركية أوسع نطاقًا، إلى مزيد من التقلبات في الأسواق وسط مخاوف المستثمرين من أن يؤدي ذلك إلى تباطؤ اقتصادي. كما أثرت المخاوف بشأن تأثير الركود على الطلب على الوقود على الأسعار.
الديناميكية العالمية لأسعار النفط :توازن هش بين العرض والطلب
تُعد أسعار النفط من أكثر المؤشرات الاقتصادية حساسية وتغيرًا في العالم.
لما لها من تأثير مباشر على الاقتصادات العالمية، وخصوصًا الدول المُنتجة والمستهلكة الكبرى. في الأساس، تعتمد أسعار النفط على آلية العرض والطلب، حيث يؤدي ارتفاع الطلب أو تراجع العرض إلى ارتفاع الأسعار، والعكس صحيح. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، إذ تدخل عوامل سياسية وجيوسياسية في تحديد مسار الأسعار.
على سبيل المثال، تتأثر أسعار النفط مباشرة بأي اضطرابات في الشرق الأوسط.
نظرًا لأن المنطقة تُمثل أحد أهم مراكز الإنتاج والتصدير في العالم. كذلك، تُلقي القرارات الصادرة عن منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” (OPEC) بظلالها الثقيلة على السوق، سواء من حيث تقليص الإنتاج أو زيادته.
في السنوات الأخيرة، شهد العالم اضطرابات كثيرة في سوق النفط، من بينها التغيرات التي أحدثها وباء كوفيد-19، حيث أدى انهيار الطلب العالمي إلى هبوط غير مسبوق في الأسعار، لدرجة أن العقود الآجلة للنفط الأمريكي (WTI) سجلت قيمة سالبة في أبريل 2020. لكن ما لبثت الأسعار أن تعافت تدريجيًا مع عودة الأنشطة الاقتصادية حول العالم.
ومنذ ذلك الحين، بدأت أوبك+، وهو التحالف الذي يضم دول أوبك إلى جانب روسيا ومنتجين آخرين.
في تنسيق خفض الإنتاج لإعادة التوازن للسوق، وهو ما ساعد في استقرار الأسعار ضمن نطاقات معتدلة نسبيًا خلال 2021 و2022. ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، قفزت الأسعار مجددًا فوق 100 دولار للبرميل.
مدفوعة بالمخاوف من تراجع الإمدادات الروسية إلى أوروبا والعالم، وهو ما ساهم في إشعال التضخم في كثير من الدول.
وتتأثر الأسعار كذلك بالعوامل التقنية والتغيرات المناخية. فارتفاع تكاليف الشحن، أو مشاكل البنية التحتية مثل الأعاصير التي تضرب منصات الحفر في خليج المكسيك.
يمكن أن تؤدي إلى اختلال مفاجئ في العرض. كما تلعب مستويات المخزون النفطي في الدول الكبرى.
خصوصًا الولايات المتحدة (من خلال بيانات معهد البترول الأمريكي ووكالة الطاقة الأمريكية)، دورًا مهمًا في توقعات السوق.
الأبعاد الاقتصادية والسياسية لتقلبات أسعار النفط
تؤثر أسعار النفط بشكل مباشر على الاقتصادات العالمية.
إذ ترتبط الكثير من مؤشرات الأداء الاقتصادي بأسعار الطاقة، وعلى رأسها النفط الخام. فعندما ترتفع أسعار النفط، تتأثر تكاليف الإنتاج والنقل والكهرباء، مما يؤدي إلى ارتفاع التضخم، خصوصًا في الدول المستوردة. في المقابل، تستفيد الدول المنتجة من هذه الارتفاعات من خلال زيادة العائدات الحكومية وتحسن ميزان المدفوعات، مما يعزز الإنفاق الحكومي والاستثمار في البنية التحتية.
في هذا السياق، تلعب دول الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية والإمارات والكويت، دورًا مهمًا في ضبط السوق العالمي.
نظرًا لقدرتها الكبيرة على إنتاج وتصدير النفط، وتوجيهه بما يتماشى مع مصالح اقتصاداتها وسياساتها المالية.
سياسيًا، غالبًا ما يُستخدم النفط كورقة ضغط أو نفوذ بين الدول. فعلى سبيل المثال، قد تُلوّح دولة مُصدّرة للنفط بخفض الإمدادات إذا ما تعرضت لعقوبات اقتصادية.
وهو ما حصل مع إيران وفنزويلا في عدة مناسبات. كذلك، فإن قرارات “أوبك+” بشأن خفض أو زيادة الإنتاج لا تكون دائمًا ناتجة عن اعتبارات اقتصادية بحتة، بل تتداخل معها مصالح استراتيجية وسياسية.
وقد شهدنا ذلك في التوترات بين السعودية وروسيا في بداية 2020، حينما فشلت الدولتان في الاتفاق على خفض الإنتاج.
مما أدى إلى حرب أسعار قصيرة أدت لانهيار السوق. وفي المقابل، يمكن للتعاون بين الكبار أن يدفع نحو استقرار السوق.
كما حصل مؤخرًا في اتفاقيات التنسيق بين موسكو والرياض، والتي ساعدت على دعم الأسعار في وجه الضغوط الاقتصادية العالمية.
من جهة أخرى، تُعد الولايات المتحدة أحد اللاعبين الكبار في سوق النفط، سواء من حيث الإنتاج أو الاستهلاك. فبفضل ثورة النفط الصخري، أصبحت أمريكا أكبر منتج للنفط في العالم، ما ساهم في تقليل اعتمادها على الواردات. ومع ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط يُعد سيفًا ذا حدين بالنسبة لها.
فهو يُعزز صناعة الطاقة المحلية، لكنه يُضر بالمستهلكين والشركات التي تعتمد على الوقود بشكل مباشر.