في نهاية عام 2024، اختتم قطاع التصنيع في إسبانيا عامًا قويًا بمؤشرات إيجابية على النمو. حيث شهد الإنتاج والطلبات الجديدة توسعًا ملحوظًا بمعدلات أسرع مقارنة بالأشهر السابقة. وساهمت الضغوط الناتجة عن القدرة الإنتاجية في تعزيز التوظيف، كما كثفت الشركات من أنشطة الشراء استجابة لزيادة متطلبات الإنتاج. وتزامن ذلك مع تحسن ملحوظ في التفاؤل بشأن المستقبل، حيث توقعت الشركات استمرار النمو في المدى القريب.
فيما يتعلق بالأسعار، فقد ظل التضخم محصورًا في نطاق ضيق. ورغم زيادة أسعار المدخلات، إلا أن تكاليف الإنتاج ظلت أقل بكثير من المعدلات التي سُجلت بعد الجائحة.
مما يعكس تحسن الوضع الاقتصادي في البلاد. بشكل عام، استمر مؤشر مديري المشتريات التصنيعي (PMI) في الارتفاع، مسجلًا 53.3 في ديسمبر، وهو أعلى من 53.1 في نوفمبر، ليبقى بذلك فوق مستوى 50.0 الذي يفصل بين النمو والانكماش للشهر الحادي عشر على التوالي.
كان أحد المحركات الرئيسية لهذا الارتفاع هو النمو المتزامن والسريع في الإنتاج والطلبات الجديدة. حيث أفادت الشركات بتوفر بيئة طلب إيجابية، حيث تمكنت من تأمين أعمال جديدة بنجاح. وتوسع الطلب على المنتجات بشكل واسع، حيث شهدت الصادرات الجديدة زيادة ملحوظة، خاصة إلى أسواق رئيسية مثل أوروبا وشمال إفريقيا. استجابة لذلك، عززت الشركات عمليات الشراء لمواكبة الزيادة في الطلب والإنتاج. على الرغم من ذلك، كان هناك تأخير في تسليم الموردين بسبب التحديات التي واجهتها وسائل النقل المحلية، نتيجة الفيضانات التي حدثت في نوفمبر جراء العاصفة DANA.
تُظهر البيانات الأخيرة أن الشركات بدأت في الاعتماد بشكل أكبر على المخزونات الموجودة من المدخلات. وانخفضت مخزونات المشتريات للشهر الثاني على التوالي في ديسمبر، إلى أدنى مستوى لها منذ فبراير 2024. هذا التوجه يعكس حالة من الحذر.
حيث لا تزال بعض الشركات تفضل الاعتماد على المخزون المتاح بدلًا من شراء مواد جديدة وسط التحديات اللوجستية.
الضغط على أسعار المدخلات في قطاع التصنيع
استمرارًا لهذا الاتجاه الإيجابي، حافظت الشركات على مستوى مرتفع من التوظيف. حيث أضافت المزيد من الموظفين لتلبية احتياجات الإنتاج، مسجلة الزيادة الرابعة على التوالي في أعداد العمالة. ورغم التحديات التي يواجهها القطاع، استمرت تراكمات العمل في التزايد بنهاية عام 2024، مما يساهم في تمديد فترة النمو الحالية التي استمرت لأحد عشر شهرًا.
من ناحية أخرى، استمر الضغط على أسعار المدخلات، حيث سجلت تكاليف المواد ارتفاعًا ملحوظًا في ديسمبر مقارنة بالشهور السابقة. ورغم ذلك، كانت الزيادة في الأسعار أقل بكثير من المعدلات التي كانت سائدة في السنوات الماضية. ويُعزى هذا الارتفاع إلى زيادة أسعار السلع المستوردة.
خصوصًا تلك المقومة بالدولار الأمريكي، مما أدى إلى زيادة الضغط على الشركات المصنعة الإسبانية. إلا أن الضغوط التنافسية التي شهدها السوق المحلي ساهمت في تقليص قدرة الشركات على رفع الأسعار، مما قلل من تأثير هذه الزيادة على الأسواق المحلية.
وفيما يخص الأسعار النهائية للمنتجات، استمرت انخفاضات تكاليف الإنتاج للشهر الرابع على التوالي، وإن كانت التغيرات في هذه الأسعار هامشية. يعكس ذلك قدرة الشركات على امتصاص التكاليف المرتفعة بسبب الضغوط التنافسية، ما سمح لها بتقديم أسعار أكثر استقرارًا رغم الضغوط الخارجية.
على الرغم من ارتفاع التكاليف الناتج عن التضخم في المواد الخام، حافظت الشركات الإسبانية على قدرة تنافسية في السوق العالمية.
وهو ما يبرز قوة القطاع الصناعي الإسباني وقدرته على التكيف مع التحديات الاقتصادية. وتعد هذه المؤشرات بمثابة دلالة على استقرار القطاع على المدى الطويل، حيث تظهر الشركات مرونة واضحة في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
بالنظر إلى المستقبل، يتوقع المحللون استمرار النمو في القطاع التصنيعي الإسباني.
على الرغم من بعض التحديات التي قد تطرأ في الفترات المقبلة. ستظل الشركات بحاجة إلى التكيف مع التقلبات في تكاليف المواد الخام، إضافة إلى ضرورة تحسين سلاسل التوريد لتفادي أي تأخير قد يعيق القدرة الإنتاجية. في الوقت ذاته، يعد التفاؤل بشأن المستقبل أحد العوامل المحفزة لهذا النمو المستمر، حيث تعزز الشركات من استثماراتها في التوسع والنمو.
تراكم العمل المتزايد لم يكن مفاجئًا
إجمالًا، شهدت إسبانيا في ديسمبر 2024 حالة من النمو القوي في قطاع التصنيع، مع تحسن ملحوظ في الإنتاج والطلب على الصادرات. رغم التحديات اللوجستية والارتفاعات في الأسعار، حافظ القطاع على اتجاهات إيجابية بفضل التحسينات المستمرة في مؤشرات الأداء الاقتصادية.
وفي تعليقه على بيانات مؤشر مديري المشتريات، أشار الخبير الاقتصادي المساعد في بنك هامبورج التجاري.
إلى أن إسبانيا أظهرت مرونة كبيرة في مواجهة التحديات التي يواجهها قطاع التصنيع في أوروبا. فقد تميزت إسبانيا بنمو قوي في القطاع الصناعي في الوقت الذي كانت فيه العديد من البلدان الأوروبية الأخرى تكافح تداعيات الأزمة الاقتصادية.
مثل تسريح العمال على نطاق واسع، وإغلاق المصانع، وتراجع الاستثمارات.
يمكن تفسير هذا النمو الإسباني بفضل توفر إمدادات الطاقة الواسعة، بالإضافة إلى الاعتماد المنخفض نسبيًا على الصين في التصدير. مما يعكس قدرة إسبانيا على الحفاظ على استقرار إنتاجها الصناعي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في أوروبا. وأوضح أن الإنتاج الصناعي في إسبانيا من المتوقع أن يشهد زيادة ملحوظة في عام 2024، على عكس البلدان الكبرى الأخرى في منطقة اليورو.
أما على المستوى العالمي، فقد أشار إلى أن الإنتاج الصناعي يظهر تعافيًا معتدلًا في الوقت الحالي. وأوضح أن قطاع التصنيع في إسبانيا يستفيد من وضع الطلب القوي، الذي استمر في النمو خلال الأشهر الخمسة الأخيرة. وقد لعبت الطلبات الأجنبية دورًا بارزًا في دعم هذا الاتجاه الإيجابي، مما دفع الشركات الإسبانية إلى البحث عن المزيد من العمالة للتعامل مع زيادة الإنتاج.
واستمرارًا لهذا الاتجاه، لاحظ فيلدهوزن أن تراكم العمل المتزايد لم يكن مفاجئًا.
حيث أن الشركات تستمر في توسيع عملياتها بشراء المزيد من المواد الخام. ومع ذلك، واجهت الشركات تحديات متزايدة، منها تقلص المخزونات نتيجة لارتفاع الإنتاج وأوقات التسليم الطويلة التي زادت بسبب تعطيل سلاسل التوريد بعد الفيضانات التي ضربت منطقة فالنسيا في نوفمبر. كما أن ارتفاع أسعار المدخلات كان يمثل تحديًا إضافيًا، خاصة مع زيادة قوة الدولار الأمريكي.
مما أدى إلى زيادة تكاليف المواد الخام المستوردة والسلع الوسيطة.
فرض الإدارة الأمريكية الجديدة تعريفات جمركية
ومع ذلك، أشار إلى أن الزيادة في أسعار المدخلات لم تكن بنفس الحدة التي شهدتها الأسواق في السنوات السابقة.
عندما تأثرت سلاسل التوريد بشكل مستدام بعد جائحة كوفيد. على الرغم من هذه التحديات، فإن التوقعات المستقبلية لقطاع التصنيع في إسبانيا تظل مشجعة للغاية. وفقًا لمسح مؤشر مديري المشتريات HCOB، أظهر الشركات الإسبانية حالة من التفاؤل حيال المستقبل. ومع ذلك، أشار فيلدهوزن إلى أن الضعف في أوروبا، باعتبارها السوق الأهم للمنتجات الإسبانية، من المتوقع أن يستمر في عام 2025.
وأضاف أنه من الممكن أن تفرض الإدارة الأمريكية الجديدة تعريفات جمركية تؤدي إلى حدوث اضطرابات في التجارة العالمية.
وهو ما قد يؤثر على صادرات إسبانيا. رغم أن المصدرين الإسبان أقل اعتمادًا على السوق الأمريكية مقارنة ببعض الدول الأوروبية الأخرى، إلا أن تراجع التجارة العالمية قد يترك آثارًا سلبية على الاقتصاد الإسباني.
إجمالًا، تتسم التوقعات المستقبلية لإسبانيا بالتحديات، لكنها تحتفظ بإيجابية كبيرة بفضل مرونة القطاع الصناعي، وأدائه القوي مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى.