أنهى قطاع التصنيع الألماني عام 2024 بصورة مخيبة للآمال. فقد أظهر أحدث مسح لمؤشر مديري المشتريات HCOB تراجعاً متسارعاً في الإنتاج والطلبات الجديدة، مما يعكس ضعفاً مستمراً في الاقتصاد الألماني. تشير البيانات إلى انخفاض حاد في مستويات الإنتاج، وهو الأسوأ منذ فترة طويلة، حيث شهد القطاع انخفاضات كبيرة في الطلبات من الأسواق المحلية والدولية. كما تباطأت معدلات التوظيف وقلصت الشركات من مخزوناتها لمواجهة البيئة الاقتصادية الصعبة.
في ديسمبر، أشار مؤشر مديري المشتريات التصنيعي HCOB إلى تدهور حاد في الظروف الاقتصادية، حيث سجل المؤشر قراءة 42.5 نقطة.
ما يعكس انخفاضاً ملموساً مقارنة بالشهور الماضية. هذه التراجعات في الإنتاج والطلبات الجديدة كانت الأكثر وضوحاً منذ فترة طويلة. شهد القطاع انخفاضاً في حجم الإنتاج، مع تراجع ملحوظ في قطاع السلع الوسيطة، الذي شهد أكبر تراجع في الأشهر الـ 14 الماضية. كما كانت الطلبات الجديدة في انخفاض سريع، ما يعكس ضعفاً عاماً في السوق، مما أثر سلباً على قدرة الشركات على تحقيق النمو.
وقد أظهرت البيانات المجمعة أن بيئة الطلب الضعيفة دفعت الشركات إلى تقليص إنتاجها. كما أشار المسح إلى تراجع كبير في الطلبات من الخارج، ما يشير إلى ضعف شديد في أسواق التصدير. شهدت الأوامر التصديرية تراجعاً ملحوظاً في ديسمبر، رغم أن الانخفاض كان أقل حدة مقارنة بالشهر الذي قبله. علاوة على ذلك، تراجع مستوى الطلب المحلي بشكل أكبر، مما يزيد من تعقيد الوضع بالنسبة للمصانع الألمانية.
في ضوء هذه التحديات، كانت الشركات الألمانية مجبرة على تقليص قوتها العاملة بشكل متواصل.
حيث تم تسجيل انخفاض في التوظيف للشهر الثامن عشر على التوالي. ومع ذلك، شهد معدل انخفاض التوظيف تباطؤاً طفيفاً في ديسمبر مقارنة بالشهور السابقة. هذا التباطؤ يشير إلى أن الشركات ربما بدأت في التكيف مع الوضع الراهن، ولكن تبقى الظروف غير مبشرة على المدى القصير.
الشركات المصنعة في ألمانيا خفضت توقعاتها للنمو لعام 2025.
من جهة أخرى، أظهرت البيانات أيضاً تراجعاً في المخزونات، حيث خفضت الشركات حيازاتها من المخزون بسبب ضعف الطلب. ورغم أن استنزاف المخزون قد تباطأ، إلا أن الشركات لا تزال تواجه تحديات في إدارة المخزونات بسبب استمرار انخفاض الطلب على السلع. ولتعويض هذا الانخفاض، سعت الشركات إلى تحسين أوقات تسليم المدخلات، وهو ما أظهر تحسناً في هذه الأوقات خلال الأشهر الأخيرة.
علاوة على ذلك، استمرت الشركات في تخفيض أسعار المدخلات للشهر الثالث والعشرين على التوالي، ما يعكس ضغوطاً اقتصادية مستمرة. تراجعت أسعار المواد الخام والطاقة، مما سمح بتحقيق بعض التوفير.
إلا أن هذا الانخفاض في الأسعار لم يكن كافياً لتحفيز الطلب بشكل كافٍ. كان انخفاض الأسعار في ديسمبر هو الأضعف في أربعة أشهر، ما يشير إلى تراجع القدرة على تخفيض التكاليف أكثر من ذلك.
أما عن التوقعات المستقبلية، فقد أظهرت البيانات أن الشركات المصنعة في ألمانيا خفضت توقعاتها للنمو لعام 2025. ظل الوضع السياسي في البلاد يشكل عائقاً كبيراً أمام استقرار الاقتصاد، وهو ما يعكس حالة من عدم اليقين في الأوساط الاقتصادية. كما أكدت الشركات على التحديات الكبيرة التي تواجهها في قطاعي البناء والسيارات، اللذين يعتبران من القطاعات الحيوية في الاقتصاد الألماني.
وفي تعليقه على نتائج المسح، قال الدكتور سايروس دي لا روبيا، كبير خبراء الاقتصاد في بنك هامبورغ التجاري: “الوضع في قطاع التصنيع لا يزال قاتماً، ويبدو أن الصناعة لن تخرج من الركود في أي وقت قريب”. وأضاف أن التنبؤات تشير إلى أن القيمة المضافة للصناعة في الربع الرابع من 2024 قد انخفضت بنسبة 0.9٪ مقارنة بالربع السابق، ما يعكس استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية. استقرار الوضع السياسي والاقتصادي في ألمانيا يبقى أمرًا حاسمًا في تحديد مستقبل القطاع الصناعي في الفترة المقبلة.
الركود في قطاع التصنيع الألماني يطال السلع الوسيطة والاستثمارية
قطاع التصنيع في ألمانيا يواجه تحديات كبيرة، حيث يعاني معظم القطاعات من الركود المستمر. وقد كان تأثير الركود واضحًا بشكل خاص على السلع الوسيطة والسلع الاستثمارية. في ديسمبر، كانت السلع الوسيطة الأكثر تأثراً، حيث سجل مؤشر مديري المشتريات أدنى مستوى له طوال العام. بينما استمر الركود في قطاع السلع الاستثمارية طوال العام، مما يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي في البلاد. كما أشار دي لا روبيا إلى أن هذه القطاعات تواجه ضغوطًا شديدة بسبب التهديدات الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة، مما يزيد من معاناتها.
رغم هذه الصعوبات، تم تسجيل بعض المؤشرات الإيجابية، مثل زيادة طفيفة في إنتاجية العمالة. ولكن، يرجع ذلك بشكل رئيسي إلى تقليص الشركات لعدد موظفيها بهدف تقليل التكاليف. إلا أن هذه الزيادة في الإنتاجية لم تكن كافية لتحسين الوضع العام للقطاع بشكل ملموس. وأوضح الخبير الاقتصادي أن الشركات الألمانية لا تتوقع تحسنًا كبيرًا في المستقبل القريب، بل يتوقعون استمرار الوضع الحالي.
علاوة على ذلك، تواصل الشركات الألمانية تكيفها مع بيئة الطلب الضعيف، إذ يعاني الطلب المحلي والدولي من تباطؤ مستمر. ولا تقتصر التحديات على ضعف الطلب، بل تشمل أيضًا مشكلات أخرى مثل ارتفاع تكاليف المواد الخام والطاقة. فقد أصبحت التوقعات المستقبلية للشركات أكثر تشاؤمًا، مما يزيد من تعقيد الوضع العام.
أما بالنسبة للقطاع الصناعي بشكل عام، فإنه يتعرض للعديد من التحديات.
لا سيما في ظل الركود المستمر الذي يعصف بالعديد من القطاعات الأساسية. على الرغم من أن بعض التحسن في الإنتاجية قد تم ملاحظته، فإن هذا التحسن لا يمكن أن يعوض التراجع في الإنتاج والطلبات الجديدة.
يبدو أن التحديات الاقتصادية التي يواجهها قطاع التصنيع في ألمانيا ستستمر في التأثير على النمو في عام 2025. وعلى الرغم من بعض المؤشرات الإيجابية التي تم ملاحظتها، إلا أن الوضع العام لا يزال غير مبشر. استقرار الوضع السياسي والاقتصادي في ألمانيا يبقى أمرًا حاسمًا في تحديد مستقبل القطاع الصناعي في الفترة المقبلة.