تعد النقود بمنزلة الأداة الرئيسية فى العملية الاقتصادية التى بدونها لا يُمكن تصور كيف يتم النشاط الاقتصادى، فالاقتصادات المعاصرة هى اقتصادات نقدية يسعى فيها الأفراد للحصول على النقود بوصفها أهم أشكال الثروة، بينما تعد النقود محورا للقرارات الاقتصادية لاسيما فى مجال الإنتاج والتوزيع وإدارة الاقتصاد الكلى بصورة عامة؛ حيث تعد السياسة النقدية خط الدفاع الأول لتوقى الصدمات الاقتصادية، وصانعة المبادرات المحفزة للنشاط الاقتصادى.
فإن للنقود دورا مهما فى تحقيق الأمن الاقتصادى الذى يعد من أهم محاور الأمن القومى، والنقود أداة قابلة للتطوير، بدأت فى شكل معدنى، ثم تطورت للشكل الورقى، إلى أن وصلت إلى البطاقات الإلكترونية، لينتهى الأمر إلى النقود الإلكترونية، والنقود المُشفرة التى يطلق عليها أيضا مصطلحات (العملات الافتراضية، أو العملات الرقمية مثل البيتكوين والايثريوم وغيرها )، وهى نقود ليس لها قوام مادى ملموس وتقوم على خصائص تعصف بجميع أدوات السياسات النقدية التقليدية، الأمر الذى يحتاج إلى دراسة تلك العملات وتحديد بدائل التعامل معها بصورة تحقق المصلحة الاقتصادية ولا تضر بالمصلحة العامة.
النقود لها مفهوم يتطور باستمرار، وإذا كانت مهمة للأفراد فإن أهميتها تزداد لدى الدول حيث تستخدم لتحفيز النشاط الاقتصادى، وتعد من أهم أدوات حماية الأمن الاقتصادى الذى يعد أحد محاور القومى، وسوف نتناول مفهوم النقود والسياسات النقدية.
مفهوم النقود: النقود فى تعريفها الأكثر شيوعا: هى ذلك الشىء الذى يستخدم كمعيار للقيمة، ووسيط فى التبادل، ومخزن للقيمة، ويلقى قبولا عاما من الأفراد لكى نكون أمام عملة نقدية حقيقية يجب أن تتوافر بها العناصر الاتيه:
1- أن تستخدم كمعيار للقيم، ووسيط للتبادل، ومخزن للقيمة.
2- أن تتمتع بقبول عام فى الوفاء بالالتزامات، أو الشراء من المتاجر، أو البيع وغير ذلك من المعاملات
دورالنظام الاقتصادى فى مفهوم السياسة النقدية
السياسة النقدية: هى مجموعة إجراءات يقوم بها البنك المركزى فى مجال إدارة كل ما يتعلق بالنقود، وتنظيم السيولة العامة للاقتصاد فى سبيل تحقيق الاستقرار النقدى، وتحفيز الأنشطة الاقتصادية. وتعد السياسة النقدية بمنزلة أسرع أداة لتحفيز الاقتصاد وتوقى الصدمات الاقتصادية من خلال توفير النقد اللازم لتمويل احتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة والتوسع فى الأسواق، كما تعد من الشروط الأساسية للتنمية الاقتصادية الفعالة،
أدوات السياسة النقدية وكيفية تحقيق أهدافها: هناك العديد من الأدوات التى يمكن أن تشكل محاور السياسة النقدية، ويعتمد استخدام أداة معينة أو أكثر من أدواتها على الكيفية التى تعتمدها السياسة النقدية فى تحقيق أهدافها؛ وهى “فى الغالب” تعمل على تحقيق أهدافها وفق إطارين:
الأول: سياسات التحديد الكمى للسيولة النقدية: ويتم من خلالها تحديد الحجم الكلى للسيولة النقدية من خلال أدوات تؤثر فى تحديد كمية النقود المتداولة فى السوق، حيث إن زيادة حجم السيولة ينشط الطلب الكلى للمجتمع، وخفض حجم السيولة يخفض من حجم الطلب الكلي، ويمكن تحفيز النشاط الاقتصادى بالدفع نحو زيادة الطلب الكلى مع مراعاة ألا يزيد حجم السيولة على القدر المناسب وألا تحول الطلب إلى المنتجات المستوردة بالعملات الأجنبية فيرتفع الطلب عليها ما يرفع من أسعارها لينتهى الأمر بمزيد من التضخم وخفض فى قيمة العملة الوطنية. ومن ثم، فإن تلك السياسات يمكنها التأثير بزيادة أو خفض حجم النقود بالسوق حسب طبيعة تشخيص الحالة الاقتصادية فى كل مرحلة من مراحل التنمية، ومن أهم تلك السياسات:
الثانى: تغيير نسبة الاحتياطى بالبنوك: فالبنوك التجارية تلتزم بالاحتفاظ بجزء من الأرصدة والاحتياطات لدى البنك المركزى الذى يمكن له تغيير مقدار ذلك الاحتياطى كنسبة من حجم الودائع بالبنك التجارى، ما يؤثر بالزيادة أو بالنقص فى حجم النقود التى يمكن استخدامها للإقراض، الأمر الذى يؤثر بدوره فى حجم السيولة بالسوق.
دور النظام الاقتصادى وسياسات التحديد النوعى للنقود :
وفيه تستهدف السياسة النقدية توزيع حجم الموارد المصرفية بين الاستخدامات المختلفة، داخل الحجم الكلى للسيولة المقررة للنشاط الاقتصادي، وهنا تقوم السياسة النقدية باستخدام أدواتها النوعية مثل:
1- وضع سقوف ائتمانية تلتزم البنوك بعدم تخطيها بالنسبة لقطاعات معينة، مثل اشتراط ألا تزيد نسبة القروض الاستهلاكية على حد معين.
2- وضع حد أدنى لتمويل قطاعات معينة، مثل اشتراط ألا يقل تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة عن نسبة معينة من حجم الودائع بالبنك.
3- تقديم مبادرات تمويل منخفضة الفائدة لبعض القطاعات أو الأنشطة بالتفاهم بين البنك المركزى والبنوك التجارية حول مشاركة تحمل الفارق بين سعر الفائدة الرسمي، والسعر الأقل الموجه لتلك القطاعات.
تطور النقود ودور الدولة النقدي:
1- الإشباع الذاتى: لجأ الإنسان منذ بدء الخليقة إلى إشباع حاجاته بنفسه، أو بتعاونه مع أسرته أو قبيلته لتحقيق الاكتفاء الذاتى.
2- المقايضة: مع تطور الحياة وتنوع الاحتياجات البشرية ظهرت المُقايضة كأسلوب لتبادل، ولكن مع تنوع المنتجات وتطور قوى الإنتاج ظهرت صعوبات للمقايضة أهمها، صعوبة تحقيق التوافق بين المتبادلين، وصعوبة تحقيق نسب التبادل بين السلع، وعدم قابلية بعض السلع للتجزئة
الاقتصادى الذى يُحافظ للمواطنين على القيمة الحقيقية لمدخراتهم ودخولهم التى تمكنهم من تحقيق الإشباع لمتطلباتهم المتنوعة.
نقود الائتمان: التى يمكن سحبها بواسطة شيكات، وبطاقات الائتمان،وقد تنوعت إصدارات بطاقات النقود الإلكترونية المستندة إلى عملة حقيقية من خلال بطاقات الائتمان (الفيزا كارت) المختلفة، وقد ظلت هذه النقود تستند إلى عملة حقيقية مودعة فى البنوك مُصدرة بطاقات الائتمان ومؤمن عليها لدى شركات تأمين مُتخصصة تدفع قيمتها حال حدوث عارض، كما أن الشيكات التى يُصدرها التجار تستند إلى مقدرتهم على السداد ويتعرض مُصدرها للإفلاس والسجن حال عدم الوفاء بما يضمن عدم التوسع فيها بصورة تُغير من توازن الأسواق، وإن كانت تكنولوجيا خلق نقود الائتمان كانت السبب الأساسى فى أزمة الرهن العقارى العالمية لعام 2008.
دور النظام الاقتصادى والعملات المشفرة :
العملات المشفرة، أو العملات الافتراضية، أو العملات الرقمية جميعها مصطلحات لمفهوم واحد يعبر عن تلك النقود التى ظهرت حديثا على شبكة الإنترنت، انطلاقا من خيال المبرمجين لتكون مقبولة فى مجال التبادل التجارى عبر متاجر الإنترنت بالأساس والعملات المُشفرة عبارة عن أكود تعبر عن رصيدمن القوة الشرائية المُسجلة فى سجل إلكترونى دون أن يكون لها شكل مادى ملموس من معادن ، ورق، بلاستيك أو غيره. وهى تختلف عن النقود العادية فى كونها تصدر بعيدا عن التنظيم الحكومى؛حيث لاتصدر من بنوك نظامية ولا تستند إلى نقود حقيقية، وليس لها شكل مادى ملموس، وإنما هى مجرد أكواد على شبكة الإنترنت.
وتعد العملات المُشفرة أحدث مرحلة من مراحل تطور النقود، وقد بدأت مُحاولات عديدة لإصدارها خلال فترة التسعينيات، إلى أن تصدى مُبرمج كمبيوتر مجهول أطلق على نفسه اسم ساتوشى ناكاموتو لاختراع عملة البيتكوين الافتراضية التى تخرج عن التنظيم، والإشراف الحكومى لتكون أول عملة مُشفرة تلفت الأنظار.
والبيتكوين عملة وهمية افتراضية مُشفرة، تُعد بداية لمرحلة جديدة من تطور النقود؛ حيث ظهرت لتناسب الحركة المالية والتجارية عبر الإنترنت، دون أن يكون لها وجود مادى حتى الآن، فهى عبارة عن أكواد تُمثل معيارا للقيمة ووسيطا فى التعامل عبر الإنترنت من خلال البنوك الإلكترونية، وهى ليست العملة الرقمية الوحيدة وإنما هى الأشهر بين أكثر من عشرة آلاف عملة رقمية انتشرت بصورة كبيرة مثل (ليتكوين، والإيثريوم، والريبل، ونوفاكوين، ونيموكوين، وبيركوين، ودوجى كوين، وكاتى كوين، وغيرها) ويصدر نحو 50 عملة رقمية جديدة يوميا، وجميعها لا تصدر من هيئات حكومية، وتخرج عن سيطرة البنوك المركزية. ولعل شهرة البيتكوين ترجع إلى كونها الأكثر قبولا لدى العديد من المتاجر الإلكترونية، والأكثر قدرة على إعادة تحويلها لعملة تقليدية ببيعها إلى من يشتريها بما يعادلها من عملات تقليدية وسوف نعرضها كنموذج أساسى لتلك النقود.