في خطوة اعتُبرت شبه مستحيلة في بداية عام 2024، وافقت الهيئات التنظيمية في الولايات المتحدة على أول الصناديق المتداولة في البورصة التي تستثمر مباشرة في عملة “إيثريوم”، التي تحتل المرتبة الثانية بعد “بتكوين” بين أكبر العملات المشفرة في العالم. حصلت ثمانية من جهات الإصدارعلى الموافقة من هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية في يوليو. وقد كانت هذه الجهات أيضًا من بين المشاركين عند إطلاق الصناديق المتداولة التي تتعامل مباشرة في “بتكوين” في يناير.
احتفى أنصار الأصول المشفرة بهذه الخطوة التاريخية، إلا أن التوقعات لم تكن مبشرة بتدفق هائل للاستثمارات في صناديق إيثريوم كما حدث مع مجموعة صناديق “بتكوين” المتداولة. وفقًا لتقديرات خبراء مصرف “سيتي غروب”، من المتوقع أن تشهد صناديق إيثريوم دخول استثمارات تتراوح بين 4.7 مليار دولار و5.4 مليار دولار خلال ستة أشهر من بدء تداولها. على الرغم من هذه التوقعات، سجلت صناديق إيثريوم المتاحة حاليًا خروجًا صافياً للاستثمارات بقيمة 405 ملايين دولار خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من تداولها. ويعزى هذا الخروج بدرجة كبيرة إلى صندوق “غراي سكيل إيثريوم ترست” (Grayscale Ethereum Trust)، الذي انتقل من هيكله المغلق إلى صندوق متداول في البورصة، مما دفع بعض المستثمرين إلى التخارج منه للاستفادة من هذه الفرصة.
فيما يخص صندوق إيثريوم التابع لشركة “بلاك روك”، فقد سجل دخولًا صافياً للأموال بلغ 900 مليون دولار حتى الآن، وهو ما يعد الأعلى مقارنة بالصناديق الأخرى في هذه المجموعة. ومع ذلك، تبدو هذه القيمة أقل بكثير عند مقارنتها بصندوق “بتكوين” المتداول التابع للشركة، الذي تجاوزت الأموال المتدفقة فيه عتبة المليار دولار خلال أقل من أسبوع واحد من بدء التداول.
ما هي عملة إيثريوم؟ عملة إيثريوم هي العملة الرقمية المستخدمة في شبكة “إيثريوم”، التي تُعد واحدة من أكثر شبكات “البلوكتشين” استخدامًا من الناحية التجارية. تُعتبر شبكات “البلوكتشين” سجلات إلكترونية لامركزية تُسجل المعاملات وتوفر إثبات الملكية عند استخدام الرموز المشفرة، وتُوصف بأنها الابتكار الرئيسي في عالم التشفير.
ما الذي دفع الهيئة إلى الموافقة على صناديق إيثريوم؟
تسليط الضوء على موافقة هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) على صناديق إيثريوم المتداولة في البورصة يعكس تحولًا في نهج التنظيم الأميركي تجاه قطاع الأصول الرقمية. يعود هذا التطور إلى عدة عوامل رئيسية:
1:الانتصار القانوني في 2023: ساهم النجاح القانوني الكبير الذي حققه قطاع الأصول الرقمية في عام 2023 في فتح الطريق أمام الموافقة على هذه المنتجات الجديدة. هذا الانتصار قد يكون قد أزال بعض العقبات التنظيمية التي كانت تعرقل إطلاق الصناديق المتداولة في البورصة.
2:وضوح وضع عملة إيثريوم: القرار يعكس أيضًا مزيدًا من الوضوح بشأن موقف عملة إيثريوم لدى الهيئة. في السابق، كانت الهيئة تميل إلى منع توسع العملات المشفرة على أساس أن العديد من هذه الأصول قد تُصنف كأوراق مالية، وبالتالي يجب تنظيمها وفقًا للوائح المطبقة على الأسهم والسندات والأصول القابلة للتداول الأخرى.
3:تصريحات رئيس الهيئة غاري غينسلر: على الرغم من أن غاري غينسلر، رئيس الهيئة، يصف العديد من الأصول الرقمية بأنها أوراق مالية غير مسجلة، فقد تجنب التصريح بشكل قاطع بشأن وضع عملة إيثريوم. في المقابل، اعتبر غينسلر “بتكوين” كسلعة وليست ورقة مالية، مما يوضح الفرق بين الأصول الرقمية من حيث التصنيف التنظيمي.
4:فروق تنظيمية بين “بتكوين” وإيثريوم: الفرق الأساسي بين “بتكوين” و”إيثريوم” من وجهة نظر الهيئة يكمن في طريقة إيداع العملات المشفرة. فإيداع الأموال في وعاء مشترك والحصول على عائد من هذا الإيداع قد يفي بتعريف الورقة المالية في نظر بعض المنظمين. ولذلك، كانت طلبات إنشاء صناديق إيثريوم المتداولة في البورصة التي تتضمن تحصيص العملات المشفرة تواجه صعوبة في الحصول على الموافقة.
5:تنازلات من جهات الإصدار: لتجاوز هذه العقبات، تعهدت جهات إصدار الصناديق بالاحتفاظ بعملات إيثريوم التي تشتريها للصناديق المتداولة بعيدًا عن برامج التحصيص على شبكة إيثريوم، كما أكدت أنها لن تستثمر في المشتقات المرتبطة بعملة إيثريوم. من المحتمل أن هذه التنازلات لعبت دورًا في قرار الهيئة بالموافقة على الصناديق. على الرغم من عدم إفصاح هيئة الأوراق المالية والبورصات عن الأسباب التفصيلية لموافقتها.
ماذا حدث عند الموافقة على صناديق إيثريوم المتداولة في البورصة؟
عندما جرى إطلاق صناديق إيثريوم المتداولة في البورصة، لم يكن الحدث بنفس مستوى الضجة والنجاح الذي شهده إطلاق صناديق “بتكوين” المتداولة في البداية. فيما يلي أبرز التطورات:
1:النجاح الكبير لصناديق “بتكوين”: عند إطلاق الصناديق المتداولة في البورصة التي تتعامل مباشرة في “بتكوين”، تحقق نجاح ملحوظ استنادًا إلى معايير التداول الرئيسية مثل تدفق الاستثمارات وحجم التداول. ارتفع سعر “بتكوين” إلى مستويات قياسية، وأصبح صندوقا “بتكوين” اللذان أصدرتهما “بلاك روك” و”فيديليتي” هما الصندوقان الوحيدان اللذان اجتذبا أكثر من 3 مليارات دولار في أول 20 يوماً من تداولهما
2:إطلاق صناديق إيثريوم المتداولة: على النقيض من ذلك، كان إطلاق الصناديق المتداولة في البورصة التي تتعامل مباشرة في عملة إيثريوم أكثر هدوءًا. حتى منتصف أغسطس، كانت شركة كبيره تتصدر الترتيب من حيث الأموال الداخلة، تليها “فيديليتي” بفارق كبير، حيث بلغ صافي الأموال الداخلة إلى صندوق “فيديليتي” 342 مليون دولار منذ إطلاقه.
3:الانتعاش التدريجي للاستثمارات: على الرغم من البداية الهادئة، بدأ الاستثمار في الانتعاش بشكل ملحوظ. سجلت مجموعة الصناديق التسعة التي تتعامل في إيثريوم أول أسبوع إيجابي في صافي الاستثمارات الداخلة عند إغلاق السوق في 9 أغسطس، مما يشير إلى زيادة اهتمام المستثمرين وتحسن أداء الصناديق في الفترة الأخيرة.
تظل الاستجابة لصناديق إيثريوم المتداولة في البورصة أقل حدة مقارنة بصناديق “بتكوين”، لكن الانتعاش الذي بدأ يظهر قد يكون دليلاً على تزايد الاهتمام من قبل المستثمرين.
ما الذي نتوقعه؟ يتوقع الخبراء أن تستقطب صناديق إيثريوم المتداولة في البورصة التي أصدرتها شركات كبرى مثل “بلاك روك” و”فيديليتي” أكبر حجم من الاستثمارات والأصول على مدى العام المقبل. وفقًا لتوقعاتهم، قد تبلغ قيمة الاستثمارات المتدفقة في صناديق إيثريوم حوالي 20% من الاستثمارات التي تتدفق إلى صناديق “بتكوين” المتداولة، والتي تقدر بين 5 إلى 6 مليارات دولار.